
ثمن التبعية الاستراتيجية... ضعف القدرات الدفاعية يضع أوربا في مواجهات التحديات

مراصد
31/1/2026، 5:44:39 م
أعادت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانؤيل ماكرون الى الإذهان المخاوف الأوربية من ضعف الغطاء الدفاعي وتراجع القدرات العسكرية لدول الإتحاد. حينما قال "علينا تخفيف اعتمادنا وضمان استقلالية الجيوش الأوربية لمواجهة أي تحديات".
وأضاف في إحاطات صحفية نشرت مؤخرا، "علينا أن نعزز قدراتنا العسكرية ودفاعاتنا البرية والجوية ومكافحة المسيرات". وأوضح قائلا "لابد من تخفيف اعتمادنا على الغير وضمان استقلالية الجيوش الأوروبية لمواجهة مانشهده من توترات" في إشارة واضحة لما يمثله غياب الدعم الأمريكي لدول الإتحاد الأوربي وسحب الغطاء الدفاعي.
▪︎ البحث عن بديل
الى ذلك إنطلقت دوائر البحث والتحليل الأوربي لطرح بديل مناسب لمواجهة ما يُوصف مرة بـ "أطماع الرئيس بوتين" وأخرى "التهديدات النووية بلا نهايات"، مقابل تلك الأفكار والتحليلات التي تجلد الذات الأوروبية بكونها اعتمدت لعقود مضت على الترسانة النووية الأمريكية ضمن حلف الناتو، حتى مفاجأة الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الأخيرة التي جعلت القيادات الأوروبية تصحو متأخرة على أن القارة العجوز مكشوفة أمنيًا أمام الصواريخ النووية الروسية من الأرض والبحر والجو.
وفق هذه الفرضيات، ناقشت بيوت الخبرة الأوروبية ميزان القوى بين دولها وروسيا الاتحادية تحت ظلال الحرب الأوكرانية. من بين هذه التقارير ما ذهب إليه مركز إيفري للعلاقات الخارجية الفرنسي إلى أن الدول الأوروبية تملك الإمكانات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية لمواجهة روسيا بحلول عام 2030، شريطة توفر الإرادة السياسية الجماعية، ويحذر من أن السلبية لم تعد خيارا. فيما ناقشت دراسات أخرى التهديدات الأمنية للحرب الهجينة ومخاطر عدم تناسب قدرات الردع النووي. حاولت جميع هذه الدراسات تشخيص أزمة الإرادة والاستراتيجية الأوروبية في مواجهة التهديد الروسي المباشر والتحديات الجيوسياسية، وتدعو إلى تحول عاجل من السلبية والردعية إلى الفعل وصنع السياسات. من هنا تأتي أهمية تلك الحقائق التي تطلقها مراكز التفكير الأوروبية، للتعريف بوجهات نظر ما زالت ضمن نطاق إدارة المخاطر وتوقعات المستقبل المنظور.
▪︎ مراجعة ميزان القوة
ناقش مركز إيفري للعلاقات الخارجية الفرنسي في دراسة موسعة تحت عنوان "التقرير الاستراتيجي - أوروبا وروسيا: مراجعة لميزان القوة" الصادر في تشرين الثاني 2025، هذه العلاقات عبر المحاور التالية :
أولاً: الجبهات الاقتصادية - سلط التقرير الضوء على تناقض صارخ، فبينما حافظت روسيا على استقرار اقتصادي ظاهري في المدى القصير (2022-2024) عبر أسعار السلع المرتفعة والالتفاف على العقوبات والتحول نحو الصين، فإنها تتجه بشكل حتمي نحو "ركود تضخمي" مدمر على المدى المتوسط. وتتجلى مظاهر ذلك في تحول الاقتصاد نحو نموذج يشبه الاقتصاد الإيراني؛ محدود التحديث، يعتمد على الصين، ويركز بشكل شبه كامل على المجهود الحربي.
نجحت أوروبا في امتصاص صدمة "فك ارتباط" الطاقة مع روسيا، حيث انخفضت فاتورة استيراد الوقود الأحفوري إلى النصف، مما وفر أكثر من 250 مليار يورو سنويًا. وهي نفذت تحولًا نموذجيًا في السياسة الصناعية (قانون المواد الخام الحرجة، قانون الصناعات صافي الصفر) لتعزيز مرونتها وقدرتها التنافسية. بحلول 2030، تتجه لتصبح الاقتصاد الأكثر كهربة وقائدة عالمية في مجال المناخ.
ثانياً: الدفاع والأمن الوطني - تعتمد عقيدة روسيا على مفهوم موسع للحرب الدائمة، والعابرة للمجالات، بهدف التأثير على تقييم المخاطر لدى الغرب وشلّ عملية صنع القرار عبر بثّ خوف التصعيد، مع وضع العامل النووي في صلب هذه الاستراتيجية (تخفيض عتبة الاستخدام النووي، نشر أسلحة تكتيكية في بيلاروسيا).
حلل التقرير ميزان القوى العسكري، واصفًا نقطة ضعف أوروبا في المجال البري، حيث تمتلك روسيا ميزة حاسمة في الكتلة النارية، وقدرة التعبئة، وتحمل خسائر الاستنزاف، معبرًا عن تفوق أوروبا النوعي في المجالات الجوية، أي تفوق كمي ونوعي، مع حاجة لمعالجة نقص المخزونات والدفاع المتكامل، والبحرية، والفضائية، والإلكترونية. المفتاح هو نقل المواجهة إلى هذه المجالات حيث تتفوق أوروبا. وشدد التقرير على أن التماسك الحالي لحلف الناتو ومقاومة أوكرانيا هما العاملان الرئيسيان لردع العدوان المباشر على الحلف. أي تراجع في هذين العاملين يرفع المخاطر بشكل كبير.

ثالثاً: الأنظمة السياسية والصمود المجتمعي - وصف التقرير النظام الروسي بكونه "نظامًا سلطويًا مركّزًا للغاية حول بوتين، يواجه تحديات ديموغرافية حادة، وأن المجتمع يظهر تحملاً عبر مزيج من الدعاية المكثفة والقمع والمدفوعات للمجندين الذين يأتون غالبًا من المناطق الفقيرة. فيما تستفيد أوروبا من تنوعها الديمقراطي وقدرتها على التكيف على المدى الطويل، وتتمسك شعوبها بالنموذج الديمقراطي رغم التضحيات.
رابعاً: التحالفات والموقف الدولي - تعتمد روسيا على محور معادٍ للغرب (الصين، إيران، كوريا الشمالية) وعلاقات معاملاتية هشة مع دول في "الجنوب العالمي". تروج لخطاب "ما بعد الغرب" لكن مساهمتها في التنمية العالمية قليلة (1.2 مليار يورو سنويًا مقابل 95+ مليار يورو لأوروبا). في المقابل، تمتلك أوروبا شبكة تحالفات استراتيجية متينة (الناتو، اتفاقيات مع 70 شريكًا، حضور قوي في المنظمات متعددة الأطراف). كما عززت الحرب تماسكها بانضمام السويد وفنلندا. الى جانب قدرتها على التوسع تبقى رافعة تحول قوية. في ضوء هذه المقاربة، لا يقدم التقرير تحليلاً فحسب، بل دعوة للعمل، مشددًا على أن أوروبا لم تعد بحاجة للاختباء خلف الولايات المتحدة؛ لديها الأدوات ولكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة والاستراتيجية الواضحة. نجاحها في مواجهة التحدي الروسي طويل الأمد مرهون بقدرتها على توحيد رؤيتها وتحويل إمكاناتها إلى قوة فعلية ومتماسكة قبل فوات الأوان.
▪︎ شبح المسيرات
من جانب آخر، ناقش تقرير للمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن وقائع رصد عدة طائرات مسيرة فوق قاعدة الغواصات النووية "إيل لونغ" في بريتاني غرب فرنسا بداية كانون الأول 2025، حيث تستضيف القاعدة أسطول الغواصات الفرنسية النووية الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBN)، التي تحمل الجزء الأكبر من الرؤوس الحربية النووية الفرنسية على صواريخ باليستية تُطلق من الغواصات (SLBMs). كما تم رصد طائرات مسيرة فوق قاعدة كلاين - بروجل الجوية في بلجيكا في ثلاث ليالٍ متتالية في أوائل نوفمبر 2025، مما دفع إلى نشر مروحية كرد فعل. أطلق الحراس النار على عشر طائرات مسيرة مشبوهة شوهدت فوق قاعدة فولكل الجوية في هولندا في أواخر نوفمبر، على الرغم من عدم العثور على حطام. وفي ديسمبر، أُطلقت مقاتلتان هولنديتان من طراز إف-35 من قاعدة فولكل لاعتراض طائرة مجهولة الهوية، قيل إنها طائرة مسيرة. تعد كل من كلاين - بروجل وفولكل اثنتين من ست قواعد تقع في خمس دول أوروبية (بلجيكا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، تركيا) تستضيف معًا 100 قنبلة نووية أمريكية غير استراتيجية من طراز B61-12. وفي المملكة المتحدة، كانت هناك تقارير عن رصد طائرات مسيرة مماثلة تحوم حول قاعدة لاكينهيث الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي في نوفمبر 2024. لم تستضف القاعدة أسلحة نووية أمريكية منذ سحبها الهادئ من البلاد في عام 2008. ومع ذلك، تشير أدلة مفتوحة المصدر متزايدة منذ عام 2022 إلى عودة الأسلحة النووية الأمريكية إلى لاكينهيث. وفي صيف عام 2025، أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستنشر 12 طائرة من طراز إف-35إيه القادرة على حمل أسلحة نووية، تم شراؤها من قبل الحكومة البريطانية للمهمة النووية ذات القدرة المزدوجة لحلف الناتو، في قاعدة مارهام الجوية القريبة التابعة لسلاح الجو الملكي.
▪︎ تفسيرات محتملة
يقدم التقرير تفسيرات لهذه الحوادث أقل إثارة للقلق، فقد زاد نشاط هواة التصوير بالطائرات المسيرة بسبب توفرها على نطاق واسع. كما استخدمت مجموعات الضغط البيئية طائرات مسيرة لاستهداف المنشآت النووية، وتعدت على القواعد النووية في الماضي، ويضيف "في الأشهر الأخيرة، شنّت روسيا حملة لاستكشاف المجال الجوي لحلف الناتو، حيث حلقت بطائرات مسيرة وطائرات مأهولة في المجال الجوي الإستوني والبولندي والروماني، واختبرت عزم الحلف، مما دفع بولندا وإستونيا إلى التذرع بالمادة 4 من معاهدة واشنطن التي تطلب مشاورات حلف الناتو. تشكل هذه الأنشطة جزءًا من جهود موسكو الأوسع لتخويف حلفاء الناتو، وتسليط الضوء على الهشاشة، وبث الخوف والقلق بين السكان"، بالإضافة إلى الضغط على الحكومات الأوروبية. يرى التقرير إمكانية "أن تكون رحلات الطائرات المسيرة تدريبًا للجهات الفاعلة المعادية للتسبب في تعطيل العمل في قواعد حلف الناتو أو اختبار حدود تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيرة استعدادًا لصراع مستقبلي". موضحا "على أقل تقدير، تعد الرحلات شكلاً من أشكال الاستطلاع المعادي. توفر الطائرات المسيرة المجهزة بأجهزة استشعار صورًا أكثر تفصيلاً من الأقمار الصناعية، وستكون مفيدة بشكل خاص لدولة معادية تراقب المنشآت أو أنظمة الأمن والدوريات."

▪︎ شبكة تصعيد عنكبوتية
يحدد التقرير في تحليله أن ما تثيره رحلات الطائرات المسيرة من مخاوف بشأن هشاشة الأصول النووية الأوروبية لحلف الناتو. خلال الحرب في أوكرانيا، استخدمت كييف طائرات مسيرة لاستهداف أصول روسية قادرة على حمل أسلحة نووية. في وقت سابق من هذا العام، شهدت "عملية شبكة العنكبوت" استخدام أكثر من 100 مركبة جوية غير مأهولة قصيرة المدى محملة بالمتفجرات، أُطلقت عن بُعد من خلف شاحنة بضائع متوقفة على بعد أقل من عشرة كيلومترات من القواعد الجوية الروسية، لإحداث فوضى في القوات الجوية الفضائية الروسية، بما في ذلك طائراتها القادرة على حمل أسلحة نووية. موضحا "دمرت العملية سبعًا من أصل 58 قاذفة قنابل روسية من طراز تو-95 إم إس - إم إس مود 'بير'، وأربعًا من أصل 54 قاذفة قنابل من طراز تو-22إم3 'باكر فاير سي'، بالإضافة إلى إتلاف طائرتين على الأقل من طراز 'باكر فاير' أخرى. على الرغم من أنها كانت درسا مكلفا، إلا أنها على الأرجح فتحت عيون موسكو على الفرص التي توفرها هذه القدرات."
▪︎ تكلفة التراخي
ضمن هذه المقاربة، انتقد ستيفن إيفرتس من مركز الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية ما يصفه بـ "تكلفة التراخي"، معتبرًا نمط "دبلوماسية تغيير المسار" الأوروبية، حيث تنتظر أوروبا خططًا من واشنطن أو موسكو ثم ترد عليها بذعر ومحاولات تخفيف. هذا النهج الدفاعي يفقد أوروبا المصداقية والنفوذ. وطالب الدول الأوروبية بأن تبادر للاستحواذ على المبادرة في ثلاث مجالات : دبلوماسيًا مع أوكرانيا من خلال تحديد إطار لإنهاء الحرب كما في محادثات برلين، ليس سعيًا لسلام سريع بل لـ "فرض وضوح سياسي" وكشف العقبة الحقيقية مع الأخذ بنظر الإعتبار أن رفض بوتين لأي حل لا يعني استسلام أوكرانيا، وعسكريًا في معالجة النقص الحاد في الدعم العسكري لأكرانيا، خاصة في الدفاع الجوي، واقتراح خطوات جريئة كتدريب القوات الأوكرانية على الأراضي الأوكرانية تحت حماية دفاع جوي أوروبي، وماليًا في استخدام الأصول الروسية المجمدة بشكل حاسم وجماعي لتمويل أوكرانيا، لإرسال رسالة واضحة للكرملين بأن الدعم الأوروبي سيستمر لسنوات. وينتهي إلى الاستنتاج : "على أوروبا أن تختار بين أن تبقى تحت رحمة الضغط الجيوسياسي، أو أن تصبح فاعلاً يصوغ مستقبله باستخدام موارده وقوته". السؤال الأهم الذي تواجهه أوروبا ليس "هل يمكنها مواجهة روسيا؟" فالإجابة واضحة من التحليل، نعم، وبقوة.. السؤال الحقيقي : هل تملك أوروبا الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية لتصبح الفاعل الجيوسياسي وتملك فعلا مقومات هذا الفاعل؟ إجابة هذا السؤال ستحدد مصير القارة لعقود مقبلة.









