
النفط تحت ضغط الصراع السياسي
ثورة زينية
1/2/2026، 12:30:48 م
يُعدّ النفط أحد أكثر السلع الاستراتيجية حساسية في النظام الدولي، إذ لا تتحكم به قواعد العرض والطلب وحدها، بل تتداخل معه اعتبارات السياسة والأمن والتحالفات الدولية
وفي هذا السياق، تمثل فنزويلا حالة نموذجية لتشابك الجغرافيا السياسية بأسواق الطاقة، خاصة في ظل ما يُوصف بـ " السيطرة الأمريكية غير المباشرة" على قطاعها النفطي عبر العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية. هذه السيطرة، سواء اتُّفق أو اختُلف حول توصيفها، كان لها ولا يزال تأثير ملموس في أسعار النفط العالمية واستقرار السوق. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يتجاوز احتياطيات السعودية، إلا أن هذا الثقل لم ينعكس فعلياً على الإنتاج أو على مكانة البلاد في سوق الطاقة العالمية. فمنذ فرض الولايات المتحدة عقوبات قاسية على شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) عام 2019، تراجع إنتاج النفط الفنزويلي من أكثر من 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون برميل في بعض الفترات. هذا الانخفاض الحاد شكّل صدمة هيكلية في سوق النفط، وأسهم في تقليص الإمدادات العالمية، لا سيما في فترات كانت الأسواق تعاني أصلاً من اختناقات بسبب أزمات أخرى مثل جائحة كورونا أو الحرب في أوكرانيا. السياسة الأمريكية تجاه النفط الفنزويلي لم تكن معزولة عن أهدافها الاستراتيجية الأوسع، وعلى رأسها الضغط على نظام الرئيس نيكولاس مادورو ودفعه نحو تنازلات سياسية داخلية وخارجية. غير أن هذا الضغط انعكس بصورة غير مباشرة على الأسواق العالمية، إذ أدى إلى إخراج أحد كبار المنتجين من معادلة التوازن النفطي. وفي سوق تتسم بحساسية عالية تجاه أي نقص في المعروض، فإن غياب مئات الآلاف من البراميل يومياً كان كفيلاً بدفع الأسعار نحو الارتفاع، أو على الأقل منعها من الانخفاض في فترات تراجع الطلب. اللافت أن الولايات المتحدة، وهي أكبر منتج للنفط في العالم حالياً، وجدت نفسها في موقف متناقض. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى خفض أسعار الطاقة لحماية اقتصادها المحلي وكبح التضخم، ومن جهة أخرى، تواصل استخدام سلاح العقوبات النفطية ضد فنزويلا، ما يحد من المعروض العالمي ويضغط على الأسعار صعوداً. هذا التناقض برز بوضوح خلال عامي 2022 و2023، حين اضطرت الإدارة الأمريكية إلى منح استثناءات محدودة لشركات مثل شيفرون للعمل في فنزويلا، في محاولة لزيادة الإمدادات دون التخلي الكامل عن سياسة العقوبات.
تأثير السيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي لا يقتصر على جانب العرض فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل تدفقات التجارة النفطية العالمية. فمع إغلاق السوق الأمريكية أمام الخام الفنزويلي، اتجهت كراكاس إلى أسواق بديلة مثل الصين والهند، غالباً بأسعار مخفضة وبشروط تجارية معقدة. هذه التحولات خلقت تشوهات في الأسعار، حيث يُباع النفط الفنزويلي بخصومات كبيرة، في حين تتحمل الأسواق الأخرى كلفة أعلى نتيجة نقص الإمدادات التقليدية. كما أن غياب فنزويلا عن السوق الحرة نسبياً عزز من نفوذ تحالف أوبك+، الذي بات يتحكم بجزء أكبر من المعروض العالمي. هذا الواقع منح دول التحالف مساحة أوسع لإدارة الإنتاج بما يخدم مصالحها، وهو ما انعكس في قرارات خفض الإنتاج المتكررة التي ساهمت بدورها في دعم الأسعار. وبهذا المعنى، فإن السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا أسهمت - ولو بصورة غير مقصودة - في تعزيز قدرة المنتجين الآخرين على التأثير في السوق.
من زاوية أخرى، فإن استمرار العقوبات الأمريكية أعاق الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط الفنزويلي، ما حال دون تحديث البنية التحتية المتقادمة وزيادة الطاقة الإنتاجية. هذا الجمود الاستثماري يعني أن أي رفع مفاجئ للعقوبات لن يترجم فوراً إلى زيادة كبيرة في الإنتاج، وهو ما يبقي الأسواق في حالة ترقب وعدم يقين. عدم اليقين هذا غالباً ما يُترجم إلى علاوة سعرية تُضاف إلى أسعار النفط العالمية، تعكس مخاطر العرض المستقبلية. على المدى الطويل، يمكن القول إن السيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي - سواء عبر العقوبات أو النفوذ السياسي - أسهمت في زيادة تسييس سوق الطاقة العالمية. فبدلاً من أن يكون النفط سلعة اقتصادية خاضعة لمنطق السوق، بات أداة ضغط متبادلة بين القوى الكبرى. هذا التسييس يضعف استقرار الأسعار، ويجعلها أكثر عرضة للتقلبات الحادة مع كل تغيير في المواقف السياسية أو التصريحات الدبلوماسية. في المقابل، يرى بعض المراقبين أن تأثير النفط الفنزويلي على الأسعار العالمية مبالغ فيه، بحجة أن الإنتاج الحالي متواضع مقارنة بإجمالي الإنتاج العالمي الذي يتجاوز 100 مليون برميل يومياً. غير أن هذا الرأي يتجاهل الطبيعة الهشة لتوازن السوق، حيث إن فارقاً لا يتجاوز 1-2 % من المعروض العالمي قد يكون كافياً لإحداث تقلبات سعرية كبيرة، خاصة في فترات الأزمات. يمكن القول إن السيطرة الأمريكية على نفط فنزويلا تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل السياسة بالطاقة، وكيف يمكن لقرارات جيوسياسية أن تنعكس مباشرة على جيوب المستهلكين حول العالم. فطالما بقي النفط الفنزويلي رهينة للصراع السياسي، ستظل أسعار النفط العالمية أسيرة لعوامل لا علاقة لها بالاقتصاد وحده. وربما يكون الدرس الأهم هو أن استقرار أسواق الطاقة لا يتحقق بالعقوبات والضغوط، بل عبر إدماج المنتجين كافة في نظام عالمي أكثر توازناً وشفافية.








