
شاعرية الكآبة... الشعر منبعا للحزن ومآلا

د. سعيد عبد الهادي المرهج
28/8/2024، 6:34:30 م
▪︎ ذكورية الشاعر أنثوية الشعر
الشعراء أناث قومهم، هذه المقولة بما تمتلك من دقة في الوصف، إنما تفتح لنا بابا مشرعا للربط بين الكآبة والأنوثة، فكاهن (الكالا ـ منشد النواح السومري) له ميزات أنثوية، ربما لكونه وريث النائحات (أمهات البكاء- أمو بيكيتي بالأكدية). وارتباط الشعر بآلهة أنثى (يوتيربي ـ ربة الشعر الغنائي) تحمل في يدها (الناي)، عند اليونان. كل هذا يؤكد أن ثمة ميلا لجعل منبع الشعر أنثويا حزينا.
الأنثى هي الأكثر تعرضا للكآبة، والأكثر شعورا بالعزلة، كأن قائلها ربط بين المتغير البايولوجي وعملية الإخصاب، وبين الشاعر وإلهامه.. لكن المتغيّر البايولوجي ذاته هو المولد الخصب للكآبة، فإذا ما أضفنا التمييز الأسطوري بين الرجل- النظام/ المرأة- الفوضى، عند الطاوية (اليانغ/ الين) ومعظم الديانات الشرقية، الذي يستتبع الربط بين الرجل ـ الضوء/ والمرأة- العتمة والاظلام.
يقول درويش مؤكدا الحوار الجدلي بين الذاتين الذكورية والأنثوية في ذات الشاعر:
صوفية مفرداتي، حسيّة رغباتي
ولست أنا من أنا الآن إلا
إذا التقت الاثنتان:
أنا وأنا الأنثوية
برغم أن اليونانيين ذاتهم ربطوه بأورفيوس، وما امتلكه من مواهب موسيقية، لكن الأسطورة ذاتها تؤكد أنه أورفيوس ابن ربة الشعر الملحمي (كاليوبي)، وكأن الثقافة الذكورية أرادة أن تكون حاضرة، وهذا البعد الذكوري استلهمه أدونيس في قصيدته: مرآة أورفيوس:
قيثارُك الحزينُ، أُورفيوسْ
يعجَز أن يغيّــر الخميـــــرَهْ
يجهلُ أن يصنعَ للحبيبة الأسيرهْ
في قفَص الموتى سريرَ حبٍّ يحنُّ أو زنديْن أو ضفيرهْ
يموتُ من يموتُ، أورفيوسْ (...)
أدونيس هنا يتحدث عن عبثية الشاعر، ولا جدوى الشعر، وليس انكسار القيثار إلا معادلا لموت القصيدة، لكن لنتأمل كيف تجلت الكآبة فيها: القيثار حزين، القيثار عاجز، الموت يحاصر الجميع، الزمن الراكض يكبو، أورفيس ظلٌّ يفر، ويطوف حول الأرواح الهائمة. القصيدة لا تُفهم إلا كأغنية حزينة.. كمرثاة لموت إله الفن، ولجفاف ينابيع الفنون... هي مرثية من لاكه الاغتراب، ولفظته الغربة.
والكآبة بكل توصيفاتها أنثوية، لكونها وليدة خوف وتردد وعزلة وانكسار، وهذه الصفات أنثوية، فضلا عن أنّ أسبقَ ما وصلنا من الشعر، عند العرب، هو شعر المراثي، وهو شعر يغلب فيه الحس الأنثوي، وأفضل شعرائه أنثى (الخنساء)، وتاريخيا كانت (بلبالة 2100 ق. م) السومرية أم شعراء الحب، وأقدم شاعر وصلنا شعره، والغريب أن قصائد بلبالة هي التي أعيد كتابتها ذكوريا في القصيدة التوراتية (نشيد الانشاد) على لسان النبي سليمان، وليس أخذا من المصرية (بيتوحا) وفي كلا الحالين الأصل أنثى. تقول بلبالة مخاطبة حبيبها:
أيها العريس الحبيب إلى قلبي
جمالك باهر حلو كالشهد
أيها الأسد الحبيب إلى قلبي
جمالك باهٍ حلو كالشهد!
لقد أسرتَ قلبي فدعني
أقف بحضرتك وأنا خائفة مرتعشة.
وقد سبقتها الشاعرة والكاهنة الأكدية (انخيدوانا 2285- 2250ق. م) أم الشعر والشعراء، ابنة الملك سرجون الكبير، التي "غيّرت الثقافة بأكملها، وعن طريق أعمالها المكتوبة غيّرت طبيعة آلهة بلاد النهرين، وإدراك الناس للإلوهية" وكانت زوجة الإله (نانا) ارتحلت إلى أور السومرية، وفيها تفجرت مواهبها.. فكان تأثير تراتيلها ممتدا في الحضارات: سومر، وأكد، بابل وأورشليم، بل وفي تراتيل الكنيسة الرومانية أيضا، تكتب بعد نفيها:
سألتني أن أدخل المعبد المقدس
الـ (كَيبارو)- معبد زقورة أور العظمى-
ودخلتُ، أنا الكاهنة العليا

إنخيدوانا
حاملة قُـفّــة الطقـوس، ورتّلـت
أدعيتك.
منبوذة الآن بين المجذومين
حتى ما عاد بمقدرتي أن أحيا معك
ظلال تدنو من ضوء النهار،
النور اسّود حولي.
وهذه ليست قصيدة منفى فحسب، بل هي أول قصيدة رثاء للنفس، وتفجع، إنه شعر باعث على كآبة جمالية بامتياز. هذا الحزن الأنثوي الطابع المنغرس في شعر شاعرات كنّ السبّاقات في بثه: بيتوحا الفرعونية في الألف الثانية قبل الميلاد، وسافو الإغريقية (630- 559 ق. م)، وبيليتس التراقية في القرن السادس قبل الميلاد، وإيرينا الديلوسية في القرن الرابع قبل الميلاد، كل هذا يؤكد ما سبق قوله من تجذر الروح الأنثوية في الشعر الغنائي، كل هذا فضلا عن الميل الفطري عند الشاعر نحو الحزن، يعمق ويجذر كون الحزن طابعا أصيلا في الشعر الغنائي عند مختلف الشعوب، وخير من جسّد هذه الأمر الشاعر بدوي الجبل (ت ١٩٨١) بقوله:
والحزن في النّفس نبع لا يمـــــرّ به صاد من النّفس إلاّ عاد ريّانا
والخير في الكون لو عرّيت جوهره رأيتـــه أدمعـــا حـــرّى وأحـــزانا
وهذا يؤكد أن جمال الشعر مرتبط بحجم الحزن الذي يُبثُّ فيه، ومن ثمّ كأن غاية الشعراء، والعرب منهم على وجه الخصوص، رسم صورة متفردة للكآبة، الليل فارسها بكل ما ينطوي عليه من إشارات جمالية توقف عندها الكثيرون من قبل. وبكل ما يحمله من دلالات، وعلى رأسها الدلالات الأنثوية: العتمة، والإظلام، وقد بدأ الشعر العربي به (الليل) في مرثية المهلهل (ت 530م) لأخيه كليب:
وصار الليلُ مشتمِلاً علينا كأنّ الليلَ ليـس له نهـــــارُ
وأبكي والنجومُ مُطَلعات كأن لم تحوها عني البحارُ
اجتماع البكاء والليل الذي صوره بُردا يلفهم بين طياته، راسخا لا يتحرك، فصيرورة الليل مرتبطة بالاحتواء لا الانجلاء، فيما بكاؤه متصل طالما بقيت النجوم في كبد السماء لم تنزل نحو البحر. وربما بدء
البيت بالبكاء وانتهاؤه بالبحار أعطاه ملمح الإغراق في الحزن. مثلما الصيرورة في البيت الأول في الغالب ترتبط بالنهار والحركة فيه لا الليل وعتمته. فالصورة الشعرية، إن صحت نسبة الأبيات، تكون فاتحة لهذا الوصف السائد في الشعر العربي، والذي مثّلت معلقة أمرئ القيس قمته:
وليل كموج البحر أرخى سدولهُ عليَّ بأنواع الهموم ليبتلــــــي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّــى بجــــــــوزه وأردف أعجـــــازا ونـــاء بكلكــل
ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي بصُبْحٍ وما الإصْباحَ فيك بأمثَلِ
فيا لكَ من ليـــــلْ كأنَّ نجومـــــهُ بكل مغار الفتل شــدت بيذبـل
كأنَّ الثريا علقت في مصامها بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَنــــدَلِ
فهذا الليل الذي أرخى سدوله بنجومه التي لا تتزحزح، أصباحه ليس بأفضل منه، وهنا تكتمل مشهدية الحزن برغم أن أمرئ القيس لم يكن الحزن سوى نغمة في سمفونيته المتوهجة حياة، في حين كان ليل المهلهل نغمته الوحيدة المكررة. لذا نراه يذكر ليله الطويل ليبكي بأسى ليله القصير بوجود كليب:
فإن يك بالذنائب طال ليلي فقد أبكي من الليل القصير
وأنقذني بياض الصبح منها لقد أنقــــذت من شر كبيـــــر
كأن كواكــــب الجــوزاء عــوذ معطفــــة على ربع كسيـــــر

وفي البيت الثالث حين يصور الكواكب كأنها إبل بأول ولادتها ملتفة على وليدها المكسور، وهي صورة يجمع فيها بين الغرابة، بعكسه الأرض على السماء، وتوصيفه الحنين العالي الذي تمتاز الإبل به، فضلا عن المراد الأصلي (ثبات الليل). وربما لم يخرج شعرنا القديم عن هذه الصورة بتنويعاتها المختلفة، ولم نجد شاعرا قصر شعره على هذا إلا المهلهل والخنساء، برغم أن اللوعة وما يصاحبها ويرادفها في قصائد الغزل العذري لا تخرج كثيرا عن هذا، إنما هي ليست أكثر من تنويعات جمالية على الثيمة ذاتها. وصف الليل وتسيده في الكثير من القصائد الجاهلية يعيدنا إلى الثنائية التي سبق أن ذكرناها بين النهار بوصفه مذكرا والليل بوصفه مؤنثا، وكأن الأنوثة جذر مضمر يتحول بتحول الثقافة..
▪︎ الرثاء أصلا..
ارتبط الرثاء في الشعر العربي بالموت، لكننا نعلم أن استجابت المجتمعات مختلفة له، فليس بالضرورة أن يكون الرثاء أو النواح مرتبطا بالموت في جميع المجتمعات الإنسانية، لكن ما أردناه هنا الوقوف عند جميع أنواع التفجع المعروفة إن كانت بسبب الفقد أو الخسران، وما شاكل ذلك. وربما كان رثاء المدن السومرية أقدم، وأرق ما قدم تاريخيا من شعر تفجع ولوعة، وقد استعمل السومريون مصطلح (ER-SIZKUR) بمعنى: صلاة الدموع أو مرثية و(ER) وحدها تعني (الدمع)، وكانت مراثي مدينة أور من أقدم ما وصلنا، إذ تعود للألف الثاني قبل الميلاد، السومرية، وتتوزع المراثي السومرية بين أربع مجموعات، هي: المراثي التاريخية، والمراثي الشعائرية، ومراثي الإله المختفي (القتيل)، والمراثي الشخصية. وفي بابل كانت الوظيفة الأساس لكهنة الكالو kalu غناء الرثاء، واستثارت البكاء والنحيب في حالات الموت والكوارث ولتهدئة غضب الآله، وكانت مراثيهم تغنّى بمصاحبة الطبل، كما في المراثي العاشورائية عند الشيعة في العراق التاريخ المعصر، وكما نجد اليوم مباني خاصة بمسمى الحسينيات لأداء طقوس المناحة عن الإمام الحسين، نرى في تاريخنا دورا سميّت دور النواح، وكانت المناحات الكبرى تجري في منتصف الشهر الثالث من السنة البابلية، أي بين ايار وحزيران في تقويمنا، ويكون فيه (بيت الرثاء) مركزا لفعاليات ذاكرين الكوارث التي مرت بهم، وهم يقدمون ابتهالاتهم الشعرية، كالهجوم العيلامي، الذي أدى الى تدمير بابل، وتستمرّ الطقوس لخمسة عشر يوما. وفي الخريف ينطلق ما سُمّي بعيد البكاء، وهو مرتبط بعيد (أكيتوا) إذ يرتحل الإله (مردوخ) إلى العالم السفلي، ويختفي لأيام، خلالها تقام مراسم نواح وبكاء وتتخللها طقوس ضرب تسيل فيه الدماء بمصاحبة فقرات تمثيلية تصور كيف استعاد الإله نابو والده الإله مردوخ من العالم السفلي. وبعد أن يتحرر الإله مردوخ ينقلب الحزن فرحا وتعم الاحتفالات البهيجة المدينة، وتتلى قصة الخليقة مختتمة هذا الطقس... وفي ملحمة جلجامش نطالع رثاء الذات، حين يرثي أنكيدو ذاته متألما متوجعا، بعد مرضه وشعوره باقتراب الموت، ورثاء الآخر حين يرثيه جلجامش بعد موته، وتصور لنا الملحمة فاجعة الفقد بصورة بالغة التأثير، فضلا عن تصويرها تأثير النائحات، وهو أمر مازال إلى اليوم يسري في بلاد الرفدين، فما من عزاء إلا والنائحة، حاضرة لاستدرار الدمع بأناشيدها الفجائعية، وهو أمر تغلغل في الغناء العراقي كله، مما منحه هذا الطابع الحزين المعروف به، تصف لنا ملحمة جلجامش تأثر أنكيدو بنواح أحدى النائحات التي تصف حاله، وكأنها تستقرأ نهايته!:
أنكيدو لا أهل له ولا أقارب،
كان أنكيدو واقفا هًناك فسمع كلامها،
نزل كلامها إلى أعماقه، فجلس باكيا.ً
(...)
مناحة يا صديقي/ مزقت أوتاري/ ارتخت ذراعاي، / وتلاشت قوتي...

يوضح أنكيدو عمق تأثير المناحة فيه، وهو البطل الأسطوري، فضلا عن هذا، فإن ما سبق يوضح تغلغلها في عمق الوجداني الرافديني، وقدمها الذي لا يمكن رصده، لارتباطه بثقافة ولدت شفاهية، ولم يأت التدوين إلا بعد قرون، وبأخلاق الفرسان يتفجع أنكيدو على نفسه:
وأنكيدو في الفراش، وهو ممدد،
نادى جلجامش! وقال له:
(....)
يا صديقي، إن الذي يسقط في النزال يصنع اسماً،
لكنني لن أسقط في النزال، وسوف لن أصنع اسما...
وبعد موت أنكيدو يرثيه جلجامش بنواح وندب، داعيا الجميع: من بشر، وحيوانات ومدن، ونباتات لرثائه، صانعا سيرة استعادية تبجيلية، كما شاع في معظم المراثي العربي لاحقا:
عندما طلع الفجر بالضياء
بدأ جلجامش ندبه لصديقه
أواه يا أنكيدو، يا من أمك ظبية
وأبوك حمار الوحش الجوال
يا من أرضعته الحمر الوحشية حليبها
يا من علمته وحوش البرية على كل المراعي
أواه يا أنكيدو عسى مسالك غابة الأرز
أن تندبك بلا انقطاع مساء وصباحاً
ويستمر في ذكر من يجب أن يندبه، هذا التكرار لذكر المسميات، كأنه تميمة سحرية تمنح المرثية بعدا أوسع من كونها توجعا ذاتيا، وهو ما سوف نقرأه في المرثية الشهيرة التي كتبها شاعر نوبل جوزيف برودسكي (1944- 1996) (مرثية كبرى لجون دن) وجون دون (1572- 1631) واحد من أشهر الشعراء الإنكليز... وكأن رثاء الشاعر للشاعر استعاد رثاء الفارس للفارس بما فيه من تكرار لا نهائي للأشياء الحياتية التي شكلت معالم عاش فيها ومعها المرثي...
أما مراثي المدن فهي من أعظم ما أبدعه الأدب الرافديني، ويمكن عدّ مراثي مدينة أور أنموذجا جماليا متفردا في مجاله:
رثاؤك مرٌّ أليم أيتها المدينة
مدينة أور التي خُرّبت رثاؤها مرٌّ أليمٌ
كم سيظلّ رثاؤك الأليم يحزن سيدك الباكي!
الرب الذي دمّر بيته يشارك مدينته البكاء والندب
هذا الجمال المتفجّع والمتوجع، الجمال الذي سعادتنا فيه بقدرته على إنزال الدموع، وليس تطهير النفس فحسب، برز بقوة في الشعر الجاهلي، وبالمضامين ذاتها، وربما المقدمة الطللية هي استعادة لمرثية المدن الأكدية، مثلما هي تفجع على ما فات من زمن، لذا غلب فيها الافتتاح بالبكاء، وما يدور في معجمه: ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي، وهل يردّ سؤالي، والأشهر مقدمة أمرئ القيس لمعلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، كثيرا ما يصور الشاعر الجاهلي شاعرا بلا ذاكرة لكونه مترحلا، لكن هذه المقدمات تؤكد أن ثمة ذاكرة مكانية هي التي تبعث الحس الشعري على التفجر، هذا الجمع بين رثاء الزمن ورثاء الأمكنة يؤكد غير ما شاع..
كأني غداة البين، يوم تحملــــوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمـــــــل
وإن شفائي عبــــــرة مهراقــــــة فهل عند رسم دارس من معول؟
البكاء هو الشفاء، ليس أمام الفقد سواه، لكن البكاء يحن يتجلى شعرا يصوغ الحن قلادة من جمال متعتها الكبرى في هذه الطاقة التعبيرية العالية عن حالة إنسانية مشتركة..
وربما المتأمل للشعر الجاهلي يرى في التكرار الشائع في قصائد المهلهل (أبو ليلى عدي بن ربيعة التغلبي ت 531) تواصلا مع ماض شعري قديم، ليس ببعيد عنه الشعر الأكدي، يقول في إحدى مراثيه:
دعوتك يا كليب فلم تجبني وكيف يجيبني البلد القفار
أجبني يا كليب خــــــلاك ذمٌ ضنينات النفوس لها مزار
أجبني يا كليب خـــــــلاك ذمٌ لقد فجعت بفارسهـا نــــزار
سقاك الغيث إنك كنت غيثا ويسرا حين يُلتمس اليسـار
وفي رثائية أخرى له يكرر صدر البيت (على أن ليس عدلا من كليب) وفي ثانية (ذهب الصلح أو تردوا كليبا) ثماني مرات.
وهذا ما نجده عند الخنساء (ت 645م) التي تأثرت بتجربة المهلهل السبّاقة، إذ يتسيّد التكرار في العديد من مراثيها:
وإن صخرا لوالينا وسيــــدنا وإن صخرا إذا نشتو لنحّار
وإن صخرا لمقدام إذا ركبوا وإن صخرا إذا جاعوا لعقّار
وإن صخرا لتأتم الهـــداة به كأنه علم في رأســـــــــه نار
والتكرار كثير جدا في شعر الرثاء لديها الأمر الذي يؤكد الأثر البلاغي للتكرار في خلق جو تأثيري مهيمن على ذهن المتلقي. ورثاؤها لأخيها صخر يمكن عدّه امتدادا لرثاء المهلهل لأخيه كليب، جاهليا، وتوصلا مع تراث من النوح النسوي والندب الذي عرفته الأقوام السامية منذ فجر التاريخ:
يُذكِّرني طلوعُ الشمس صَخراً وأندُبُه لكل غُروبِ شمـــسِ
ولولا كثرة الباكيـــــــن حولــــي على إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكونَ مثل أخـــــي، ولكن أعزّي النفــــسَ عنه بالتأسّي
ولم ينافسها، ذكوريا، في هذا الباب إلا الشاعر مُتمِم بن نويره في رثائه أخيه مالك الذي قتله خالد بن الوليد وتزوج امرأته، ومن أجمل ما كتبه:
وقد لامَني عند القبورِ على البكـــــا رفيقي لتَسكابِ الدموع السوافِكِ
وقال: أتبكــــــي كلَّ قبــــــــــرٍ رأيتَــــــه لقبرٍ ثوى بين اللِّوى فالدكــــــادِكِ
فقلتُ له: إن الشَجى يبعث الشَجى دعوني فهــــــذا كلُّــــــه قَبــــرُ مالك
إلى جانب هذه النصوص كانت نصوص الرثاء، وبالتحديد نصوص رثاء النفس، وربما واحدة من أشهرها، وأقدرها على تقديم الصورة الأمثل عن الكآبة الجمالية، قصيدة الشنفرى التي يقول فيها:
ولا تَقْبُرُوْنِي إنَّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَبْشِرِي أَمَّ عَامِرِ
إذا احْتَمَلُوا رَأْسِيْ وَفِي الرَّأْسِ أكْثَرِي وَغُوْدِرَ عِنْدَ المُلْتَقَى ثَمَّ سِائِرِيْ
ويمكن عدّ واحدة مالك بن الريب في رثاء نفسه، معلقة الشعر العربي في رثاء النفس، وفريدته التي لا توازيها قصيدة، ولشهرتها ألهمت العشرات من الشعراء العرب اللاحقين إلى يومنا هذا:
ألا ليت شعــــري هـــــــل أبيتـــــــن ليــــة بجنب الغضا، أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضــه وليت الغضا ماشــى الركـــاب لياليـــا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا مـــــزار، ولكــــن الغضـــا ليـــس دانيــــا
ويقول فيها:
ولله دري يــــــــوم أتــــــرك طائعـــــا بنــــيّ بأعلـــي الرقمتيــــــن ومــــاليــــا
ودرّ الظباء السانحـــــات عشيــــــــة يخبّــــــــرن أني هــــالك مــــن ورائيـــــا
ودر كبيري اللذين كلاهمـــا علــــيّ شــــفيـــق، ناصـــــح قـــــد نهـــانــــيــــــا
ودر الهوى من حيث يدعو صحابه ودر لجاجـــــاتــــي، ودر انتــــهــــائـــــــيا
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجـــــد سوى السيف والرمح الرديني باكــــيا
وبرغم ميل قصائد الرثاء في العصر العباسي وما تلاه إلى الإفراط في مدح الميت، وتضخيم دوره ومن ثمّ تضخيم فقده، ويغيب فيها التفجع والنواح، وكأننا أمام قصيدة عقلية لا عاطفية.. وفي العصر الحديث ربما كانت مرثية نزار قباني لزوجته استعادة لروح التفجع والرثاء الجاهلي:

بلقيس
كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل
بلقيس
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي
ترافقها طواويس
وتتبعها أيائل
انثيال عاطفي استعاد فيه بابل لغة وأسلوب كتابة، لا مجرد مكان. فكأنها مرثية أكدية
▪︎ شاعرية الحكمة البائسة
لم نلمس تحولا حقيقيا في الشعر العربي إلا مع أبي العلاء المعري (363هـ- 449هـ)، الذي كان الفكر المختلف يحرك شعره لا العاطفة الجياشة فحسب، وربما يمكن عد بيته:
مُهجَتِي ضِدٌّ يُحارِبُنِي أَنا مِنِّي كَيفَ أَحتَرِسُ؟!
مركزيا في شعره، إذ إنه يفتح الباب أما شكل من الصراع النفسي الذي تغيب فيه قدرة العقل على التحكم، فهو لا يخاف المحيط الخارجي فحسب، بل يخاف نفسه أيضا، وربما ليس أجمل من هذا البيت تعبيرا عن صراع أبدي في ذواتنا. وكان المتنبي، قبله، قد أوضح أن الشكوى والعتب لُعبتا كل بعيد الهمة:
لَحا اللَهُ ذي الدُنيا مُناخاً لِراكِــــبٍ فَكُلُّ بَعيدِ الهَمِّ فيها مُعَـــذَّبُ
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَقولُ قَصيدَةً فَلا أَشتَكي فيها وَلا أَتَعَتَّــــــبُ
وَبي ما يَذودُ الشِعرَ عَنّي أَقُلُّـــــهُ وَلَكِنَّ قَلبي يا ابنَةَ القَومِ قُلَّبُ
ومناخ القصيدة يخلق جوا كئيبا كما هو واضح، من ذم الدنيا إلى تقلب القلب البشري بين العتب والشكوى؛ والمتنبي يوضح أسباب شكواه، ولا يتركها لتأويل مؤول، أو شرح الشرّاح:
في كل أرضٍ وطِئتُها أممٌ تُرعَى بعبدٍ كأنها غنمً!
لذلك يصل إلى نتيجة مفادها:
خليلُك أنتَ، لا من قُلتَ خِلِّي وإن كثُرَ التجمُّلُ والكلامُ
وهي ترد في قصيدة كلها ذم لزمانه ولأهل هذا الزمان:
فُؤادٌ ما تُسَلّيـــــهِ المُــــــدامُ وَعُمرٌ مِثلُ ما تَهَبُ اللِئامُ
وَدَهرٌ ناسُـــهُ ناسٌ صِغــــــارٌ وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ
وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ
فهنا تجتمع الوحدة بالتعالي، تعالٍ يصل حد النرجسية. لكنه يقدم صورة مبهرة عن شعوره بالعزلة، وتفرده في انعزاله. وفي هذا مكمن خلق الصورة الجمالية الكئيبة. في حين أن المعري يوصله صراعه الداخلي ليس إلى التغني بالعزلة: (أراني في الثّلاثةِ منْ سُجوني/ فلا تسأل عنِ الخبر النّبيثِ/ لفقدي ناظري ولُزوم بيتي/ وكون النفس في الجسد الخبيث) ليس هذا فحسب، بل إلى رفض الزواج والانجاب، مثلما رفض الخضوع للعادات الآسرة، وللنزعة القطيعية المتحكمة:
تَواصَلَ حَبلُ النَسلِ ما بَينَ آدَمٍ وَبَيني وَلَم يوصِلَ بِلامِيَ باءُ
تَثاءَبَ عَمروٌ إِذ تَثـــــاءَبَ خالِــــــــدٌ بِعَدوى فَما أَعَدَتنِيَ الثُؤباءُ
وَزَهَّدَني في الخَلقِ مَعرِفَتي بِهِم وَعِلمي بِأَنَّ العالَمينَ هَباءُ
وكان قد أكد اعتزاله وعزلته بقصيدته الشهيرة:
غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي نَــــوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّــــمُ شَـــادِ
وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيـسَ بِصَـوْتِ الْبَشِـــيرِ فِي كُلِّ نَادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَنَّــتْ عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَــــا الْمَيَّــــادِ
قصيدة قالها في رثاء صاحب له يُدعى أبو حمزة، وكان فقيها حنفيا، ومن ثمّ فهي قصيدة مناسبة لا نصا تأمليا كبقية النصوص المذكورة، لكنه وظّف المناسبة بما يتفق ونظرته المتشائمة للحياة، وعزلته التي لم ير أفضل منها لكائن وجوده عبثيا، وعلى غير ما درج الشعر العربي عليه من كون الرثاء مدحا للميت، انطلق المعري من وقفة تأملية في العلاقة بين السعادة والشقاء، الفرح والحزن، الضحك والبكاء، انتصر فيها للطرف الثاني، برغم أنه ساوى بينهما وجوديا، وصب تأمله في النظر إلى الأرض بوصفها مقبرة الإنسان، مطالبا الحاضر بعدم الاختيال فتحته قبور أسلافه، وهي لعبة الحياة الشقية، ولدت وستكون سلفا، فاحترم اسلافك... وبعد أن يدخل إلى غرضه من القصيدة ينتهي بها إلى القول بأن الإنسان حيوان أصله الأرض نفسها، والقول بحيوانية الإنسان وأصله المادي، فضلا عن كونه قلب منطقية البناء فهو بدأ قصيدته بذكر الموت وختمها بالولادة، فإنه أكد عبثية الحياة الإنسانية، وإن ثمة وهما مسيطرا أزاح حقيقتها؛ وهم الأبدية الذي يدفعنا للاستبشار بالولادة والبكاء عند الوفاة. فكأن الوفاة تفاجئنا، في حين من لديه لب تكون البشارة هي ذاتها الخسارة. ومن ثمّ تتساوى الأصوات لديه لكونها تعبير عن طبيعة أو جهل بطبيعة. وهو يعود في قصيدة أخرى ليؤكد مادية الوجود الإنساني، وكون الديانات ذاتها أفعالا بشرية غايتها السيطرة والاستحواذ، ولا علاقة للسماء بأبناء الأرض:
وَهَل أَعظُمٌ إِلّا غُصونٌ وَريقَةٌ وَهَل ماؤُها إِلّاجَنِـــــيُّ دِمــــاءِ
نَهابُ أُموراً ثُمَّ نَركَبُ هَولُهـــــــا عَلى عَنَتٍ مِن صاغِرين قِماءِ
أَفيقوا أَفيقوا يا غُواةُ فَإِنَّمـــــــا دِيانَتَكُم مَكــــرٌ مِنَ القُدَمـــــــاءِ
أَرادوا بِها جَمعَ الحُطامِ فَأَدرَكوا وَبادوا وَماتَت سُنَّةُ اللُؤَمــــــاءِ
وَكَيفَ أُقَضّي ساعَةً بِمَسَـــــــرَّةٍ وَأَعلَمُ أَنَّ المَوتَ مِن غُرَمائي
وهو قول يدعمه بقوله:
شر أشجار علمت بها شجرات اثمــرت ناســــا
لم تسق عذبا ولا أرجا بل أذيّـــــات وأدناســـــا
تعب ما نحن فيه وهل يجلب الإيحاش إيناســـا
ويؤكد تفرده، ونقده للعقائد التي لا همّ لها سوى اخضاع الإنسان باستغلال جهله كبيرا، واستغلال ضعفه صغيرا، وتوجيهه بالوجهة التي تخدم مصالح زعماء العقائد، والرفض لما عليه من حولك شذوذ يستحق البتر، ورفض المعري كلفه الكثير:
يَرتَجي الناسُ أَن يَقومَ إِمامٌ ناطِقٌ في الكَتيـــــــبَةِ الخَرســــاءِ
كَذَبَ الظَنُّ لا إِمامَ سِوى ال عَقلِ مُشيراً في صُبحِهِ وَالمَساءِ
ويعود لتأكيد ابتعاده عن الناس:
إِن مازَتِ الناسُ أَخلاقٌ يُعاشُ بِها فَإِنَّهُم عِندَ سوءِ الطَبعِ أَســـــــواءُ
أَو كانَ كُلُّ بَني حَوّاءَ يُشبِهُنــــــــي فَبِئسَ ما وُلِدَت في الخَلقِ حَوّاءُ
بُعدي مِنَ الناسِ بُرءٌ مِن سَقامِهِمُ وَقُربُهُم لِلحِجى وَالديــــــــنِ أَدواءُ
ثم يقول: وربما لا نجد تلخيصا لفكر المعري الشعري المتشائم الرافض بأفضل من قصيدته التي يقول فيها:
جَنَتِ الغَوارِسُ وَاِستَقَلَّ أَخو الغِني وَسَعى المُؤَمِّلُ وَاِستَراحَ اليائِسُ
وَاللُبُّ حُرفٌ وَالجَهالَـــــــةُ نِعمَــــــةٌ وَالكَيّسُ الفَطِنُ الشَقيُّ الكائِسُ
وَإِذا رَجَعتَ إِلى الحَقائِقِ لَم يَكُن في العالَمِ البَشَــــريِّ إِلّا بائِـــــسُ
وَالمَوتُ بازٍ وَالنُفــــوسُ حَمائِــــمُ وَهِزَبرُ عِرَّيـــــسٍ وَنَحنُ فَرائِـــــسُ
مع المعري نقف عند الكآبة بتجليها الفكري لا العاطفي الذي ساد معظم الشعر العالمي، كآبة المعرفي وليدة إدراك عميق وبصيرة استطاعت اختراق الحجب، فكان إن ولدت قصيدته يجرها خيطا التأمل العقلي الهادئ والثورة الفكرية العميقة ما جعلها أقل اخضرارا من قصائد المتنبي الحكمية بدفقها العاطفي العالي.
وبين الرثاء والحكمة يقف الغزل غرضا شكّل روح المجتمعات الإنسانية، لا روح الشعر العربي فحسب، إذ الغزل هو الشّكل المجسد للحب في الكلمة، فهل يمكننا تصور مجتمعاتنا بلا حب بين رجل وامرأة، وقد ولد الغزل على لسان النسوة في الحضارة السومرية، لكن سرعان ما تحولت بتركيز السلطة الذكورية، ليصبح الغزل ذكوريا بلوعة النساء، وربما يمكن لنا أن نختصر جوهر شعر الغزل العربي ببيت جميل بثينة:
خَـلـيلَيَّ مــا أَلـقى مِـنَ الـوَجدِ بـاطِنٌ
وَدَمـعـي بِـمـا أُخـفـي الـغَـداةَ شَـهـيدُ
قصيدة الغزل العربي قصيدة فقد، وتحسّر، وعشق يصل حد الهيام، ولم يكن مجنون ليلى (قيس بن الملوح) إلا الأنموذج الأمثل لشخصية العاشق، الذي يصل به حبه إلى الجنون فالموت، حتى أصبح أنموذجا عالميا:
جُنِنتُ بِها وَقَد أَصبَحتُ فيها
مُحِبّاً أَستَطيبُ بِها العَذابا
وَلازَمتُ القِفارَ بِكُلِّ أَرضٍ
وَعَيشي بِالوُحوشِ نَما وَطابا
ويمكن النظر في قصيدة أخرى له نرى أنها تمنحنا صورة مصغرة عن شعر الغزل العربي؛ لا العذري منه فحسب، بل الصريح أيضا مع الاختلاف البسيط طبعا:
مَتى يَشتَفي مِنكَ الفُؤادُ المُعَذَّبُ
وَسَهمُ المَنايا مِن وِصالِكِ أَقرَبُ
فَبُعدٌ وَوَجدٌ وَاِشتِياقٌ وَرَجفَةٌ
فَلا أَنتِ تُدنيني وَلا أَنا أَقرَبُ
كَعُصفورَةٍ في كَفِّ طِفلٍ يَزُمُّها
تَذوقُ حِياضَ المَوتِ وَالطِفلُ يَلعَبُ
فَلا الطِفلُ ذو عَقلٍ يَرِقُّ لِما بِها
وَلا الطَيرُ ذو ريشٍ يَطيرُ فَيَذهَبُ
وَلي أَلفُ وَجهٍ قَد عَرَفتُ طَريقَهُ
وَلَكِن بِلا قَلبٍ إِلى أَينَ أَذهَبُ
هل يمكن أن نختصر تاريخا امتد لأكثر من أربعة عشر قرنا بهذه الأبيات؟ ما من شك أن أمرا كهذا مستحيل، لكن ما ذكر يبين جوهر الروح الشعرية المتدفقة في هذا الغرض، ومن ثمّ فالجمال الذي تجسده كآبة تخلّفها قراءة أبيات كهذه لا تحتاج إلى الكثير من الشرح والتحليل.
▪︎ الخاتمة
الشعر تعبير عن جوهر الذاتية الإنسانية بتقلباتها المختلفة، لكن الألم الإنساني يكاد يشغل الجزء الأعظم من هذا الشعر، غنائيته وليدة تغنيه بآلامنا، وكما قال البحتري:
عرَّجوا، فالدّموعُ، إنْ أبكِ في الرُّبْ عِ، دُموعي، وَالاكتئابُ اكتئابي
اكتئاب الشاعر دموع تتفجر أصواتا، لذا ما من قصيدة إلا وفيها للكآبة منزلا، نادرا ما نقرأ الشعر ونخرج منه بوجه مبتسم، من يقرأ الشعر لا بدّ أن ترتسم ملامح الحزن على وجهه، حزن شفيف كالشعر نفسه. وفي عصرنا الحالي، ومع تسارع وتيرة الحياة، وفقدان الحميمية الاجتماعية، وتحول الوحدة من حالة شاذة في المجتمعات السابقة إلى ظاهرة طاغية في مجتمعنا كل هذا يجعل من فنوننا بمختلف أشكالها تعبيرا عن هذه النزعة، وهذا يسري على التجريدي منها، والتعبير عن الوحدة، والعزلة، والاغتراب، لا يكون إلا بما يبعث فينا كآبة نستشف من خلالها عالم المبدع نفسه، لكن الكآبة لا تكون ما لم يكن النص الأدبي أو الفني يمتلك من الجمال ما يجعله مثيرا، مولدا للإدهاش الجمالي، وهو كما قال الشابّي:
يا شعرُ أنت فمُ الشُّعورِ
وصرخةُ الرُّوحِ الكئيـــبْ
إنه صوت الشعور، والتعبير الأكثر تأثيرا عن روح عصرنا بكل ما تحمله من كآبة، مثلما كان في فجره روح معبر عن صراع الإنسان الوجدي...
▪︎ المصادر
▪︎ الكتب :
- إنخيدوانا شاعرة سومر، إعداد وترجمة الدكتور قاسم محمد الأسدي، سلسلة إصدارات جمعية المترجمين العراقيين، بغداد، ط2، 2022.
- تاريخ البكاء (تاريخ الدموع الطبيعي والثقافي)، توم لوتز، ترجمة: عبد المنعم محجوب، منشورات صفحة 7، السعودية، ط١، 2021.
- التبيان (شرح ديوان أبي الطيب المتنبي)، أبي البقاء العكبري، منشورات مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط١، 1936.
- حقيقة السومريين، د. نائل حنون، دار الزمان، دمشق، ط1، 2007.
- ديوان المهلهل، شرح طلال حرب، الدار العالمية، بيرت (د. ت).
- ديوان أمرؤ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، (سلسلة ذخائر العرب 24) القاهرة، ط4، 1984.
- شرح اللزوميات، نظم أبي العلاء أحمد بن عبد الله المعري (ت 449هـ) تحقيق: وفاء الأعصر وآخرون، دار الكتب العلمية، القاهرة، 1998.
- قصائد الخالدين (أوراق منسية للأديب صدقي إسماعيل) تحرير: عواطف الحفار إسماعيل، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، ط1، 2012.
- المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ، نجيب محمد البهبيتي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1981.
- مقدمة في أدب العراق القديم، طه باقر، منشورات جامعة بغداد، ط١، 1976.
- ملحمة جلجامش، د. نائل حنون، دار الخريف، دمشق، ط1، 2006.
- منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تحقيق: الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط3، 1986.
▪︎ الصحف والمواقع إلكترونية :
- أدب الرثاء: البكاء على الاماكن المقدسة في حضارة بلاد الرافدين، الاستاذ حكمت بشير الأسود، مدونة العراق في التاريخ على النت: https://www.iraqinhistory.com/
- عن الشعراء متلبِّسون بالجرم المشهود، شوقي بزيع، صحيفة الخليج الاماراتية (ملحق الخليج الثقافي)، 6 يناير 2014: https://www.alkhaleej.aeD8%
- قصائد لإنخيدوانا، ترجمة: زينة الحلفي: موقع درر العراق: https://www.dorar-aliraq.net/threads/455669
- لارس فون ترير: الاكتئاب كمجاز أنثوي، حسام الدين السيد، موقع إضاءات على النت،3/ 9/ 2022: https://www.ida2at.com/lars-von-trier-depression-female-metaphor








