
المواطنة وأثرها الإجتماعي في بناء الدولة

دعد ديب
15/10/2024، 4:01:05 م
وفرة من الدراسات والتفسيرات الملحقة بمفهوم المواطنة على غرار تعريفها بأنها انتماء المواطن إلى مكان يكتسب جنسيته ويتمتع بمجموعة من الحقوق والواجبات، بغض النظر عن العرق واللون والدين والموقع الطبقي وكله تحت سقف قانون ناظم يحدد ماهية الحقوق والواجبات المترتبة على الفرد،
▪︎ الفكرة الأساسية
إن المواطنة كفكرة تعتبر من تجليات المدنية الحديثة التي تعزز الروح الإيجابية للمواطن تجاه المحيط باعتبار أن المدينة حاضن ثقافي لنشوء فكرة المواطنة نتيجة لوجود الفضاء الاجتماعي والثقافي للحقوق والواجبات والدستور الذي يحدد الآلية القانونية للمواطنة. اجتمعت غالبية التعريفات على فكرة الحفاظ على حقوق الأقلية والأكثرية كمفهوم من دون أي تجاهل للتركيبة الثقافية والاجتماعية أو اللعب بمقوماتها لصالح أي فئة، كذلك المواطنة موضوع يتصل بالجنسية، فان تكون مواطنًا في دولة ما يعني أن تكون متمتعًا بجنسيتها ويسري عليك قانونها ولك فيها حقوق وعليك واجبات بوجود قانون يضمن المساواة للجميع، فالاتحاد الأوربي مثلًا يعطي حق المواطنة لجميع الدول المنتسبة إليه. فالمواطنة هي إقرار ضمني بتساوي البشر جميعًا بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة أو الانتماء السياسي تحت لواء قانون يحكم الجميع ويحتكم إليه الجميع، والمواطنة هي الانتماء لمكان ولد المرء به وأن فكرة تبعية المرء لوطن ما هو المكان الذي ينسب إليه، وهذا الانتماء للمكان يتحدد وفق حقوق وواجبات يلتزم الجميع بها، فالجنسية صفة وامتياز قانوني يتمتع فيه الفرد داخل وخارج الدولة التي ينتمي إليها ولا تعادل المواطنة لأنه قد يمكن لفرد الحصول على أكثر من جنسية غير أن ذلك لا يمنحه فرصة تبوّء مراكز سياسية مثلاً.
▪︎ تفرعات المواطنة
كما أن للمواطنة تصنيفات تتفرع لتشمل مواطنة قانونية وسياسية ومدنية واقتصادية فوجود القوانين الناظمة والتأسيسية في بلد ما تضمن المساواة لجميع مواطنيها المنتسبين إليها بموجب الجنسية، فالمواطنة هي الحالة التي يحمل فيها الفرد جنسية بلد ما ويترتب عليه حقوق وواجبات فيها ويضمن له حرية التعبير والعمل والتعليم والرعاية الصحية مثل الحق بالتصويت والترشح للانتخابات يقابله الامتثال للقوانين المقرة من قبل الدولة المدنية منها والدستورية. ويختلف أسلوب منح الجنسية من بلد لآخر لأن هذا الأمر يتطلب سلطة قضائية مستقلة تشرف على تطبيق القوانين بكل حيادية وخاصة ما يتعلق منها ب حقوق سياسية مثل الانتخاب والترشح يأتي مقابلها واجبات كالالتزام بدفع الضرائب المستحقة على الفرد، وهناك أيضًا مواطنة مدنية تشمل حريته الشخصية وخصوصيته وحقه بالأمان والاعتقاد والتعبير والحصول على معلومات والانتساب لأحزاب ونقابات أما الحقوق الاجتماعية والاقتصادية فتضم الحق بالملكية والعمل والأجر العادل. والأهم من كل ذلك ان يتوفر للفرد وعي المواطنة الذي يتضمن معرفته بحقوقه التي يجب أن يطالب بها والتي تكفلها القوانين وفرص مشاركته بالشأن العام والسياسي من خلال الانتظام في فئات تمثله مهنية كانت أم اجتماعية أو سياسية دفعاً للفوضى واللا تعيين بغية الوصول إلى تأطير دقيق للأهداف المتوخاة، وحتى يكون الفرد قادراً على المشاركة بالشأن العام يجب أن تتوفر له مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية الكريمة وتتوفر أيضاً مؤسسات تعليمية وتربوية تنشأ الفرد على مفاهيم المساواة وقيم المواطنة الحقة.
▪︎ مصدر الحقوق
يقول المهاتما غاندي " المصدر الحقيقي لكل الحقوق هو الواجب. إذا قام كل منا بواجبه فإن الحقوق سوف تتوطد من تلقاء ذاتها، العمل هو الواجب، والحق هو ثمرته". من المهم قبل أن يطالب المرء بحقوقه أن يكون مؤديًا لواجباته التي تعطيه إمكانية المطالبة بحقوقه وما يعنيه ذلك من التوازن بين الحقوق والواجبات. ولكن ما هو الواجب؟ أعتقد أن الواجب مبدأ يتعلق بالعطاء والتضحية وهو حق الوجود على الانسان؛ فالتضحية واجب؛ والاحساس بالآخر واجب؛ والقيام بالعمل واجب؛ واحترام حرية الآخرين واجب؛ والاعتراف بالتنوع العقائدي الفكري واجب؛ وهكذا عندما يتربى الفرد على القيام بواجباته على صعيد المجموع تنعكس حقوقًا يتلقاها الآخرون وترتد إلى الفرد كدائرة مكتملة تنطلق من إحساسه بالمسؤولية. بشكل عام الشعور الفردي يعتقد ويتذمر من المجتمع؛ الطبيعة؛ الوجود؛ أو من جهة ما بحجة سلبه لحقوقه، ولكن الفعل الأخلاقي لا يحكمه التبادل فان قام الفرد بالواجب هو بداية الطريق لحقه، الواجب الذي يحمل في مضمونه الحقوق وتطبيقها، وقد حاول غاندي إصدار قانون واجبات الانسان بالإضافة للإعلان العالمي لحقوق الانسان، فالمسؤولية في الواجب غير المشروط، والمنعتق من كل رباط أو قيد ومن كل رغبة في الثواب أو خوف من عقاب.
▪︎ حقوق المواطنة
حقوق المواطنة حقوق تمس الفرد وتتعلق بحرية الاعتقاد والايمان والتعبير وحقوق الملكية والعدالة الاجتماعية وما يتعلق منها بالأمور السياسية من حيث المشاركة بالشأن العام من انتخاب وترشح للمؤسسات المعبرة عنه من برلمان ونقابات ومجالس محلية بالإضافة للمسائل الاجتماعية كحقوق التعليم والرعاية الطبية المجانية وإشباع حقوقه الاقتصادية والمعيشية تحت مظلة العدل والمساواة وبالمقابل عليه واجبات كتسديد الضرائب والمساهمة في تمويل الخدمات العامة والحفاظ على البيئة ومراعاة حقوق الاخرين وحماية التنوع والاختلاف. وكلها تأخذ تعبيرها على أرض الواقع من خلال المشاركة بالشأن العام مثل الصوت الانتخابي والرأي وحيازة المنصب السياسي، وهذه المشاركة السياسية والمساواة القانونية تتطلب وضع اجتماعي واقتصادي يؤمن للفرد حاجاته الاساسية بالإضافة لأهمية وجود مؤسسات تعليمية وتربوية تقوم بتنشئة الاجيال اللاحقة. ولأن الانتقاص من الحقوق هو الصفة الغالبة في المجتمعات عموماً والمجتمعات المتخلفة على وجه الخصوص توجه الأنظار دائماً للمطالبة بالحقوق وإلا ما معنى أن نوافق على تعاريف لمفاهيم على درجة عالية من الرقي والانسانية ونشرع قوانين متطورة وبذات الوقت نحافظ على أعراف تناقض كل ذلك، ويستوي في ذلك الكيل بمكيالين وإعلاء حقوق للبعض مقابل إغفال حقوق البعض الآخر، بالإضافة لاضطراب الفهم في بعض المصطلحات والمفاهيم واستخدامها لغير الهدف الذي أنشأت لأجله بقصد أو بدون قصد. من خلال رابطة تتعلق بالنفع والضرر ندخل إلى الجانب الأخلاقي في مفهوم المواطنة العدل والمساواة واحترام الغير وإنصاف المظلوم ورد الحقوق لأهلها كلها معان أخلاقية ترتقي بالوطن والإنسان، فالانتماء للوطن يتعزز بالتكامل الاجتماعي وحاجة كل فرد للآخر مما يؤدي إلى انصهار واندماج المختلفين في بوتقة واحدة، وفي حال اختل هذا التكامل ينتقل الانتماء الى مجموعة أضيق وتضيق شيئاً فشيئاً من القبيلة للطائفة للعشيرة. وكلما ضاقت الدائرة تقلصت الحقوق. فمعوقات المواطنة الكاملة تتراوح بين التمييز الديني والمذهبي وبين التمييز الجندري بين المرأة والرجل، وأحيانًا تأخذ شكل التمييز المناطقي بين الفرد المقيم بالريف و بين الفرد الذي يقطن المدينة أو اجتماعي كالتمييز الطبقي بين الغني والفقير.
▪︎ فقدان المواطنة
هناك مسألة هامة في تقليص المفهوم الحقيقي للمواطنة وخاصة في بلدان العالم الثالث وهو أن المؤسسات الدينية تحولت إلى مؤسسة المؤسسات، ومن أهم الاعتراضات على مفهوم المواطنة الغربية وفق حنا أرندت أنها ارتبطت مع سيادة الدولة القومية مما جعل المهاجرين والمهجرين إثر الحرب العالمية الأولى والثانية فاقدين للجنسية في البلد المهاجر إليه وبالتالي فاقدي المواطنة مما يناقض الفكرة الاساسية لمعنى حقوق الانسان، ولكن يبدو أن هذه المسألة تم العمل على تجاوزها في تلك المجتمعات. وهناك بعض الصور الخاصة عن عدم مقدرة المجالس الممثلة أن تتيح للفئات المهمشة تمثيل حقيقي على غرار بعض الأقليات الدينية والمرأة وذوي الدخل المحدود والطبقات الفقيرة في المجتمع، وبالتالي عدم قدرتها على الوصول لمراكز قيادية تعبر عن همومها ومشاكلها ومطالبها الرئيسة، بالإضافة لوجود بعض الخطابات الدينية الداعية للعزوف عن المشاركة الواقعية وتستعيض عنها بانتظار عالم الغيب بتحقيق العدالة والانصاف بدلًا من السعي إليها والعمل على تحقيقها على أرض الواقع، فالانسحاب من الحياة العامة هو المظهر الأكثر بروزًا نتيجة الهيمنة العجيبة والمحمية من السلطات للمؤسسات الدينية التي تزرع في ذهن الفقراء فكرة القدرية والعالم الآخر مما يغنيه عن حياته الواقعية ويحيا بالأمل بعدالة السماء ولا يربط بين واقعه السيء والظروف التي يعيشها، مما يجعل مسألة شيوع الأممية الدينية والرابطة المذهبية طاغية على حساب الوطنية،
▪︎ الدين والسلطة
إن حضور الدين في العلاقة بين المواطن والسلطات في الدول المشرقية بشكل عام يسهل اختطاف الدين السياسي للفضاء العام وفرضه شكل التفاعل معه، مستغلاً الانتماء الديني للأغلبية السكانية، كذلك تميل مؤسسة الأسرة لأمان أبنائها من خلال زرع الخوف في قلوبهم من أي اتصال أو جرأة على السلطات القائمة بجميع أشكالها، وتلعب مؤسسات الإعلام وتناقضها السافر ما بين الانفلات والتعري لفضائيات وبين البرامج الدينية المتزمتة لفضائيات دأبها بث الخوف والرعب من العقاب الإلهي ضمن فهمها المتطرف للدين. كذلك مما يعزز ابتعاد شريحة الشباب عن الخوض بالشأن العام أمور أخرى نتيجة تسلل التكنولوجيا الحديثة إلى حياتهم وإلهاء عقولهم بالكثير من التقنيات الجذابة والباب الواسع للتواصل مع عوالم أخرى وعقد صداقات من أنحاء العالم، مما يجعلهم بعيدين عن هموم مجتمعاتهم والمشاكل الحقيقة لها ويعزز حالة الاغتراب عن واقعهم والارتداد إلى الانتماء الأضيق للأسرة أو الطائفة وفي مجتمعات أخرى العشيرة أو القبيلة، مما يجعل فكرة المواطنة تبدو أمرًا ناشزًا وبعيدًا عن اهتمامهم المباشر وطموحهم، إذ تسحبهم الحياة الاستهلاكية في ركضهم اللاهث وراء لقمة العيش وفقدان العمل الذي يليق بمؤهلاتهم وكفاءاتهم.
▪︎ الوعي النقدي
في المجتمعات المفتقدة للديمقراطية لن تكون السلطات فيها مرتاحة لفكرة المواطنة وخاصة وهي تربي المرء على الخضوع والاستسلام من الأسرة إلى المدرسة إلى المؤسسات الدينية لذا من الضروري لكل من يتبناها أن يتسلح بالوعي القانوني والفهم العميق لحالة المساواة بين الحقوق والواجبات، فالمواطنة السياسية تتطلب وعي للأحزاب الموجودة والقضايا العامة التي تتبناها ومدى فهمها لبرامج التوعية والتثقيف، وهناك وعي المواطنة الاجتماعية بالخدمات العامة والأهم الوعي النقدي الذي يحلل المعلومات المتوفرة ويفسرها، ورغم وضوح القانون الذي يقر بالمساواة الكاملة فهناك فئة من الناس لاتزال تشعر بالاستعلاء والفوقية، فالمواطنة كممارسة تحتاج لكفاح وخوض صراع صعب وحساس لأن المواطنة ليست موضة أو تقليعة بل هي ممارسة مستمرة ومتراكمة ذات مخاطر وأخطار لا يستهان بها، لذا ثمة ضرورة كبرى أن يسعى الفرد للتمتع بمحتواها ومزاياها لأنها ترفع من حالة الثقة بالنفس وتخرج به من دائرة التهميش إلى دائرة الفعل الحقيقي الذي يليق بإنسانيته وكرامته.
* كاتبة وناقدة








