
رسالة في بناء الدولة المدنية

د. محمد نعناع
18/10/2024، 12:29:49 م
في بدء هذه المقالة نود تقديم الاعتذار إلى العالم الديمقراطي أجمع على "ديمقراطيتنا" التي نمارسها في العراق، فهي ديمقراطية مشوهة، فنحن نعتذر لكم جميعاً على تشويه الديمقراطية بالمحاصصة، وبالطائفية السياسية، والفساد الأفقي والعمودي، والمحسوبية، واستغلال البيروقراطية، وسرقة اقتصاد السوق، والسطو على الخصخصة، والاستتثمار بالانتخابات، وامتطاء الدستور والقوانين والتشريعات النافذة والمتوارثة.
نعتذر لكم لأن "ديمقراطيتنا" ليست ديمقراطية إبداعية وإنما وصفة توافقية أنتجها عقل قياسي يقيس سلوكه "الديمقراطي" بالنسبة لحقبة ديكتاتورية قمعية، ونعتذر لكم أيضاً لأننا تأخرنا في تنمية الديمقراطية، فما حصلنا عليه مساراً ديمقراطياً فقط، لكننا تعثرنا فيه بإرادتنا بمحاولات دمغه بتفضيلاتنا الشخصية المحملة بالضرورة بخزعبلات تاريخية وأوهام استنقاصية، نعم، لدينا ديمقراطية ولكنها شكلية وهي أيضاً متخلفة في مجالات التنمية السياسية والاجتماعية، ويفتقد المنتظم السياسي الذي يُبشرُ بها برفدها بالإنجازات الحقيقية. لقد تشدق بالديمقراطية حتى أبعد الناس عنها، حتى المليشياويون يقولون عن أنفسهم بأنهم ديمقراطيون، فيالها من ديمقراطية رخيصة ليركبها كل من هب ودب! ولقد امتطاها المعمم الغنوصي ورجل الدين المتطرف ليحقق من خلالها ماَربه الطائفية ويشيع ما يسميه "حقوقه الشخصية" رغم أن هؤلاء يهدرون السياق الديمقراطي في حوارهم مع الأخرين المعارضين لهم في أفكارهم ومتبنياتهم.
لكن لماذا بدأنا بالحديث عن الديمقراطية في رسالتنا لبناء الدولة المدنية، وكيف تُبنى الدولة المدنية؟ ومن يبنيها؟ وما هي أهم نتائج الدولة المدنية، وأصلاً لماذا هي "رسالة" فلمن توجه هذه الرسالة؟
من المفروض أن تنتج الديمقراطية معادلة سياسية تدير الدولة، ومن أهم مخرجات هذه المعادلة تكوين مؤسسات حديثة محايدة، وهذه المؤسسات تنتج بيئة مريحة تسمح بالاختلاف والتعبير عن الرأي وفقاً للقانون، وهذه المؤسسات تحتكر وسائل الإكراه (الجيش والشرطة والمخابرات والاستخبارات) وتمنع استخدامها ضد المواطن من جهات غير مرخصة وخارج سيطرة الدولة، وهنا ينشأ "المجتمع المدني" وخلاصة شكل هذا المجتمع هو أنه مجتمع يناقش مشاكله بالحوار وبدون أي عسكرة وبدون أي إجبار أو إكراه أو غش أو احتيال أو تورية أو تقية، مجتمع لا سلطان عليه، بل له الولاية على نفسه. لا يتعارض الدين مع المدنية، كلمة يرددها الإسلامويون، ولكنهم يتحدثون بهذا الخصوص عن المدنية بدون كيفياتها الثانوية، مدنية لا طعم ولا لون ولا رائحة لها، هم يتشدقون بوصف كيفياتها الأولية جرياً مع الظاهرة الشعبوية الغالبة في المجتمع، ولكنهم سرعان ما يهدمون حتى ما يقولون عنه مدنية -وهو ليس كذلك بطبيعة الحال- من أجل قراءأتهم الدينية، وهي بطبيعة الحال قراءات لا علاقة لها بالإيمان ولا علاقة لها بالله وبإنسانية الدين. لقد غولوا الطائفية وأعلوا من شأنها على حساب المدنية، وهي إحدى القراءات الدينية الحاملة لمفاهيم سلبية ذات تأثيرات تدميراتية استراتيجية. لا تبنى المدنية إلا عبر الطيران بجناحين كاملين لا تضعفهما تيارات الدوغما والعقل الجمعي والاستقطاب الطائفي، جناح المعرفة وذلك بتنشيط التأصيل الفلسفي لبناء الدولة وإدخال العلوم الحديثة في تطويرها، وجناح إلادارة: وذلك بإدارة الفعل السياسي والأزمات المجتمعية بشكل منهجي ومهني متقن خارج الحسابات الشخصية والجهوية والفئوية. قد تبدو المساحة التي نفكر فيها حتى الأن مساحة مثالية، وقد يُدلس المدلسون فيقولون هذا ترف فكري! ولكن الحق نقول لكم أن بدون المعرفة والإدارة لا تُقلع طائرة المدنية، هذا ما سكه "جون لوك" في فلسفته المعرفية والسياسية التي أرسى فيها معالم المعرفة والفكر والسياسة والإيمان والحرية، وبدون إتباع هذا النسق الموضوعي لا تُبنى في بلدنا أي مدنية. لقد أوصلت أفكار " الفيلسوف لوك" البناءة الدول المتقدمة حالياً إلى إنتاج ديمقراطيات مستقرة، وأنظمة حكم فعالة، لا نقصد لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي ليست معصومة، بل تتعرض إلى هزات ولربما انتكاسات، ولكنها تتدارك نفسها بأقل الخسائر، وخصوصاً الخسائر البشرية، لأن في هذه الفلسفة الإنسانية تكمن قوة الأنظمة في احترام الإنسان كإنسان بغض النظر عن إنتمائه وتفضيلاته وتوجهاته. إن الصياغات الجاهزة التي تناغم المجتمع كأنها أحلامه التي تحققها له جهات لا ئؤمن بالمدنية، هدفها سلب احتياجات المجتمع الأساسية، وتوجيهه للإهتمام بما يخالفها، فمثلاً دعاية "المكون الاجتماعي الأكبر" التي تتقاطع مع الديمقراطية لأنها فكرة طائفية مناطقية، وتتعارض مع المدنية لأنها تُديم العسكرة والقبلية، فكرة سياسية نفعية انتهازية تمنع تقديم الخدمات للمجتمع لانها عبارة عن آلية استقواء لصالح جهات فاسدة تخادع شرائح اجتماعية مهمشة بتسطيح متطلباتها الاساسية ببيع شعارات مستهلكة عليها، إن هذا الفعل النفاقي يقوض الدولة المدنية لانه يسمح بالوصول المزمن لزعامات وشخصيات سياسية فاسدة لمقدرات الدولة وثروات الشعب واستغلالها في إدامة الدائرة المغلقة التي لا تعدو كونها سجنا كبيرا للافكار الإبداعية التي يخلقها التداول السلمي للسلطة، وتسييج بشع مانع لاختراق الأزمات المفتعلة، وبالفعل هذا ما يجري في المجتمع العراقي من خلال بدعة المكون الاجتماعي الأكبر التي تصاغ على أنها فكرة ديمقراطية بينما هي مجرد حيلة للالتفاف على الديمقراطية الحقيقية، واخطر ما في هذه الحيلة هو انها تبني مساراً سياسياً يهدد الأمن العام لأنها تفترض أن وصول اي تحالف سياسي ما سواها إلى السلطة فإنه يهدد "حق الأغلبية" لذلك يستدعي عرابو هذه الحيلة أتباعهم للشروع بنزع ثوب "السلمية – Pacifism" واللجوء إلى "الإكراه من أجل فرض القناعات" وهذا ما يسميه العقلاء "إنحطاط التفكير" نتيجة تضخم المسار الدوغمائي والاندفاع المفرط وراء الأوهام والخزعبلات، وهؤلاء مستعدون للحرب والتضحية من أجل كيان فاسد يخضم زعماؤه ثرواتهم خضم الإبل لنبتة الربيع، وبالنتيجة يتقهقر الوعي المدني المطلوب بشدة لبناء الدولة المدنية تحت سيوف العسكرة والطوائفية. إن أتباع العقل الطائفي المدعومين بقوة قاهرة مجتمعياً وهي "ممارسات العقل الدوغمائي" تعمل على حشر المدنيين في إطار واحد خارج السلطة وهو "التنظير الندواتي" وكأنهم يقولون لهم لكم المؤتمرات والندوات والإصبوحات والامسيات الفكرية والأدبية، ولنا السلطة والمؤسسات وإدارة الثروات، فاستمتعوا بما أنتم فيه، ودعونا ننعم بما حصلنا عليه، وكلما استساغت "النُخبة المثقفة" هذا الدور المحدود بدأ يتملكهم شعور فحواه بأنهم يعقدون مؤتمراتهم وندواتهم مع الخراف أو يتأمرون معها بينما الذئاب تسرح في الخارج، كما يقول "ألبرت اينشتاين" في أحد مؤتمراته حول السلام، وبالتأكيد هذا المُخرج الانهزامي غير صحيح إطلاقاً، فإن اجتماع "المُسالمين" يعطيهم دفعات وجرعات قوية لتنظيم أمورهم، بدلاً من التمزق الذي يريده أعداء المدنية، فهي إذن رسالة عاجلة للنخبة المفكرة والمثقفة لإجادة فن التجمع والدخول في عالم الحسابات الرياضية الدقيقة لتصميم مشروع سياسي جامع.
من يسير في مسار بناء الدول المدنية يجب أن يتحلى بــــ"النزعة الاستيعابية" وهي قدرة مركز قوة معين على جذب الاخرين إلى الساحة المدنية، وتصبح النزعة الاستيعابية مركبة وذات تأثير فائق "سوبر بوزشن" عندما يستطيع مركز قوة معين على جذب أخرين مغايرين يستطيعون جذب أتباعهم الى الساحة المدنية رغم كونهم ليسوا مدنيين، وهذا الجذب يكون مقبولاً حتى ولو تم بشعاراتهم أو قناعاتهم الخاصة أو تفضيلاتهم الشخصية أو المجموعية المغايرة للأسس المدنية، على نحو مؤقت أو مرحلي، وعادة تكون هذه الدعوة موجهة للفاعليات الدينية والقبلية. إن افكاراً تلامس حياة المجتمع تُنتجها العقول المدنية وتتكأ في أصلها على أرضية معرفية مدروسة ونظرية سياسية محكمة، قد تحقق ثورة نخبوية تقص شريط تشكيل المجتمع المدني، ومن ثم تنتقل بتوعيته نحو بناء الدولة المدنية، وكلما ركزت الثورة النخبوية على عوامل فشل الطبقة المحاصصاتية الملتحفة بستار الديمقراطية كان طريقها سهلاً لتحقيق الإنجازات التي يتوق لها المجتمع العراقي، وهذا الطريق يبدأ من الإهتمام بالنضج التنظيري وثم الفكر التخطيطي في مجال الإدارة بفروعها السياسية والاقتصادية والمجتمعية.








