
برج بابل... (شرنا الذي لا بد منه)

د. سعيد عبد الهادي المرهج
18/10/2024، 12:47:31 م
تقديم مكانه الختام
نستقبل الأرض ببكاء وعويل، بكاء الخائف، المطرود من جنة العزلة إلى فضاء الصراع، ولعبة الموت، ونودع الأرض ببكاء وعويل، بكاء مهزوم، كل ما حققه ضاع هباء، أو سيضيع بموته، وبينهما نسير من مرحلة الأكل بعدوانيتها إلى مرحلة المحاكاة بعنفها..
هكذا من عنف لعنف خرج من معركة الحياة مهزوما منكسرا... إذن هي معركة! الحياة لعبة حرب صاغها الرب لمتعته، وحاول الطغاة تقليدها فكان الكولسيوم مسرحا للمجالدة لا تنتهي إلا بموت وانتصار... في الكهف كنا نقتل لنعيش، ثم نقتل لنسيطر، وها نحن اليوم تحت قبضة الأساطير الحديثة نقتل ونُقتل من أجلها (موران) بندول يتحرك بين عنف فردي وآخر جماعي، هكذا هي حياتنا... نشوة الانتصار تُقابله بأسى الهزيمة، صيحات النصر وصرخات الهزيمة، وتكتمل الصورة بنهاية المنتصر الطبيعية (الموت) الانكسار الفردي. الموت نهايتنا العنيفة، هزيمتنا الوجودية الكبرى التي لا مفرّ منها، كما سبق للمعري أن وصفها:
سَأَرحَلُ عَن وَشكٍ وَلَستُ بِعالِمٍ عَلى أَيِّ أَمرٍ لا أَبا لَكَ أَقدُمُ
وَهَوَّنَ إِعدامي عَلَيَّ تَحَقُّقي بأَنّي وَإِن طالَ التَمَكُّثُ أُعدَمُ
انكسار المعري، هزيمة الفكر، انكسار يقودنا إلى الضجر أو العبث، متحولون من عدوانية خارجية إلى داخلية تأكل الذات، وتنخرها... وترى الشر في الوجود لا في عدم الوجود (شوبنهاور) فلا شرٌ بلا وعي... كل موتٍ سوى موتنا لا يعاش: "ماتت أمي اليوم. وربما أمس، لا أدري. لقد تلقيت من الملجأ الذي كانت تقيم فيه برقية هذا نصها: أمكم توفيت. الدفن غدا. خالص تعازينا! لم أستطع أن أفهم من ذلك شيئا...!" هذا ما قاله (مارسو) في غريب البير كامو.
▪︎ انتصارات وهزائم
نقاتل بالشعارِ الشعارَ، قطيع يقوده الخوف، خوفنا ممن يقودنا أكبر من خوفنا من عدوٍّ مفترض، وأنا- نحن- هذا الجندي- الضحية في كل وطن له نصبٌ، فلا قدسية إلا للضحية، سيبقى مجهولا، نبقى مجرد أرقام سرعان ما تذروها الريح في فمٍ لاهثٍ لزمنٍ أحمقَ، ويبقى نصبٌ لجندي أماته خوفه من زعيم ثبّت سلطانه بالأضاحي... الحرب تهيّئ للحرب، وما بينهما سلام مسلح، منذ اكتشفنا أن هناك آخر من جنسنا (قابيل رأى هابيل أو العكس) كتبنا تاريخنا بالسيف، ورسمنا المستقبل له... موت يلاعب خطوتي، يفرش جناحيه مزهوا فوق صدري، موت منذ عقود نتلصص خوفا منه، ويتلصص فرحا بنا، حتى بتنا نستدعيه إذا تأخر عنا... باسم عشائرنا متنا أو باسم الوطن، أو نصرا للمذهب، أو المعتقد، ودفاعا عن دينٍ، أو قتلنا ليلهو القاتل، مثلما تناسلنا ليلهو القاتل من قبل، إذا لم نتناسل من يقتل من؟ ضحايا الأفكار نعلو المشانق ونحن نردد أناشيد فرح بالحياة التي لم نعشها، لم نعشها إلا أفكارا عن غد مشرق... جاء الغد لكن شمسه حجبتها أروحنا المتصاعدة، فكان أظلم من ماضٍ ارتقينا فيه نحو الموت بحثا عن حياة مشتهاة!
الحرب قدّاسنا- أميل ستارتيي- نهيأ له المزامر والدفوف، ونرقص ملتفين على بعضنا رقصة البيرشيوس الإلهية، فالآلهة خلقت الأرض حلبة للمتعة، وحين يعلو الصخب، وينزعج (إنليل) من ضوضائنا يسلط علينا أوبئته والمجاعات والعقم والطاعون، وحين يراها لا تجدي يفَتَح أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَيفَجَّرْ الْأَرْضَ عُيُونًا... لكن ماذا بعد الطوفان؟ كل شيء بدأ بالزوال التدريجي إلا نحن، كلما زال كائن احتللنا موقعه؛ لم نُبق أشجارا في الأرض، حتى الحيوانات انقرضت.. هي لعبة الظلم إذن، كل يظلم من يستطع ظلمه... يفرش الظلم جناحيه على صدرٍ يعلو بالأنين مرددا:
والظُّلمُ من شيم النُّفُوسِ فإن تجد ذا عِفةٍ فلعلة لا يظلمُ
يعلو، ويعلو، ثم ينكسر، ويموت الصوت في أحشائه مرتعبا، مظلوم يحلم أن يلعب دور الظالم! من منّا لم يحلم؟ هكذا نحن توزعنا بين الظالم والحالم بدور الظالم. في البرية يظلم الحيوان ليأكل، لكنّا نظلم كي نلهو، نستمتع، نرقص فرحا، حتى اقترن الملهى بالمطعم! في المجاعات لا يأكل الحيوان أخيه إلا نحن يأكل بعضنا بعضا، ما أشقانا! الذئب ليس إنسانا لذئبٍ آخر، بل الإنسانُ ذئبٌ لأخيه! "العنف الذي لا يمكن قهره هو جوهر الإنسان، إذ يعيد خلق نفسه بنفسه"، هذا ما سبق أن ذهب إليه سارتر وهو يتأمل بمعذبي فانون.. فلو كنّا نولد أخيارا ما احتجنا صلاة الغفران، ولا تعميدا بالماء أو النار، ولا حجا للكعبة، ولا نرفانا، لكن الشرّ غريزتنا والخير فرضه اجماع الشر، اجماع لحماية نوعٍ يوما ما سينقرض..
وحين نبكي الآخر، لا نبكي إلا ضعفنا فيه، إلا مظلوميتنا، نحن العجزة؛ البكاء، الرحمة، الشفقة، بها نواجه القطيع الهائج، قوقعتنا التي نحمي بها أنفسنا. ومثلما خلق الضعفاء الطبَ لإذلال الأصحاء، خلقوا القانون لمعاقبة الأقوياء. هكذا عكسنا الطبيعة، فأصبح البقاء للأضعف، بفضل قطعان الضعفاء المتسيّدة... أبناء هابيل الذي أكل خوفهم كائنات الأرض الحية... قُتل هابيل قتلا رمزيا، إذ في الواقع لم يُقتل إلا قابيل إذ ماتت سنته، ولم يعش إلا بعد تحوله إلى هابيل بديل... فكان أن أقمنا أول نصبٍ- قبرٍ لهابيل احتفاء بالضحية، هابيل أول من قدّم الدم قربا لربه... منه أم من أخيه توارثنا، نحن الضعفاء- الحقد، لا حقد بلا ذاكرة، وذاكرة الحقد طويلة، لذا كان الحقد سمتنا، فلا عدوانية بلا حقد يحركها، لا قتل، لا انتقام، لا ضغينة، لا تضحية... الحقد أصل الشرِّ، والشر متولّد عن- هوبز في (لفياثانه)- بالمنافسة، وانعدام الثقة، والبحث عن الأمجاد... للضعفاء النُصب وللسادة الأزلام: فالسلطة تنبع من قوس السهام، فوهة البندقية، الصواريخ الموجهة... إلخ، ونحن نتراكض خلف دراهم تنثرها السلطة- أية سلطة- رأس يضرب بالآخر، بقلوب واجفة، راجفة، مبغضة لبعضها، دراهم نسرقها كي تسرقنا، لا عنف كالاستهلاك، ولا أساس كالجشع للعدوان...
ختام حقه التقديم
أولئك الذين أقاتل لا أكرههم
أولئك الذي أحمي لا أحب..
هذا ما كتبه وليم بتلر ييتس في ذروة الحرب العالمية الأولى، وبعده بمائة عام تتساءل (هان كانغ) الفائزة بنوبل للآداب في عامنا هذا (٢٠٢٤) في روايتها أفعال بشرية:
هل صحيح أن اّلبشر قساة بالفطرة؟
هل القسوة هي الشيء الوحيد الذي نتشاركه نحن-الجنس البشري-؟
هل الكبرياء الذي نتشبّث به ليس سوى وهمٍ يخفي عن أنفسنا هذه الحقيقة الواضحة: إن كّلًا منا قادرٌ على أن يُختزل في صورة حشرة، وحش كاسر، كتلة لحم؟
هل مصير الجنس البشري الذي أكد التاريخ حتميته هو أن يذُلََّ ويدَُمرَّ ويُذبَح؟!
وبينهما مدح بورخس (السلام المقاتل)!
سلام إسرائيل
تحفيظ حائط الله في أجيج معركتك...
أية مفارقة لا شعوره انبجس عنها: السلام هدنة مقاتل بين معاركه، ومع الأجيج يكون الحفظ لتعميقه... فلا سلام يعرفه البشر، يكتب محمود درويش في دائرة الصراع ذاتها، يكتب رؤية الضحية:
أنا آخر الشعراء الذين
يؤرقهم ما يؤرق أعداءهم:
ربما كانت الأرض ضيقة
على الناس
والآلهة...
ما أضيق الأرض على البشر! ما أضيق أرضٍ لا تعرف السلامَ! النارُ في الأعالي، وعلى الأرضِ الحروبُ...
من منّا حاول أن يسترجع حروبنا، ثوراتنا، انتفاضاتنا، هيجاناتنا، اقتتالنا في القرن الحادي والعشرين، نعم في هذا الزمن القصير فحسب؟








