
نهاية التاريخ: زمايتين وتأسيس الفضاء الديستوبي

د. سعيد عبد الهادي المرهج
25/1/2025، 11:44:31 ص
"يوتوبوس اسم ملكي وفاتحي أمير ذائع الصيت خالد الذكر
صنع جزيرة لم تكن جزيرة من قبل ملأى بثراء الدنيا والسرور والراحة
أنا التي من دون الجميع لم تكن لي فلسفة صنعت للإنسان مدينة فلسفية"
قصيدة باللغة اليوتوبية/ توماس مور
المقدمة: في التقابل
الثورة المنهجية البنيوية حشرتنا في تقابل كان المنطق الأرسطي قد عدّه ركنا أساسا في مربعه، فصار الاهتمام بإبراز المتقابلات فعلا نقديا لا تخلو صحيفة لبنيوي منه، أقول هذا وأنا أنحشر في جبّ الديستوبا، فهذا المصطلح، dystopia الذي وضفّه البريطاني جون لوكاس في العام 1950 في سياق نقده لكتب الخيال العلمي. كان قد استعمله من قبل لويس هنري يونج في العام ١٧٤٧، ومن بعده جيرمي بنثام في العام 1818، تلاه جون ستيورات ميل في العام 1868. وهو مركب من الـ(Dys) وتعني السيء أو غير المرغوب فيه، والـ(Topos) مفردة يونانية تعني المكان. أما الـ(Utopia) فمصطلح صاغه المفكّر توماس مور (1478- 1535) في روايته التي نُشرت في العام 1565، وحملت عنوان (كتاب مفيد وممتع حقا عن الحكومة المثلى للدولة، والجزيرة الجديدة المسماة يوتوبيا ) وأراد بجزيرة يوتوبيا الجزيرة غير الموجودة (الخيالية)، أو اللامكان فـ(Utopia) فالمقطع الأول (U) أصله (OU) ويعني (لا)، وأراد به المجتمع المثالي، أو العالم الكامل. وقد ولدت هذه الرواية في فضاء الحركة الإنسانية للقرن السادس عشر، وهي حركة انتقد أصحابها الحاضر في ضوء الماضي، ولم يمتلك أصحابها الوعي الواقعي، فضلا عن أنهم نظروا إلى المستقبل البشري بثقة بإنسانية الإنسان، وقد تعاظم هذا وصولا للقرن العشرين، إذ مع هذا القرن أدرك الإنسان كم التوحش الكامن في جوهره، ويكفي أن نقول إن عدد منْ قتل فيه يتخطى المئة مليون إنسان. وهو أمر يتسق مع النظرة الرجعية للأديان، التي ترى أن لا فردوس- يوتوبيا ستتحقق إلا بعد أن يعمُّ الفساد، ويحلّ الخراب في الأرض. فبحسب أدياننا الكبرى ولد الإنسان في الفردوس، ثم طرد منها، فالفردوس ماضٍ ذهبي، لذا نظّر الكثير من المؤرخين لعصرٍ ذهبي غادرناه، ولن نستعيده إلا في (آخر الزمان)، بعد أن "تملأ الأرض جورا، فيقوم رجل من عترتي، فيملأها قسطا وعدلا".. فكأننا باليوتوبيا نعود إلى براءتنا الأولى، فردوسنا المفقود. لكن العقل العلمي يقرأ الأمور بحسب وقائعها العينية المتحققة، فالخراب الحالي على المستويات المختلفة: الخراب البيئي، التسلح النووي، والاستغلال اللاإنساني للتقنية، انهيار العائلة وتحطم العلاقات التقليدية، تسلط التقنية، واختراقها لخصوصيات الأفراد... كل هذا وغيره كان من ظهور الضد، أو المقابل، فكانت الديستوبيا، أو المجتمع الذي يخلو من الكمال (غير الصالح) أو (المدينة الفاسدة) أو اليوتوبيا المضادة Utopia Anti. وفي كلا المسارين يمكننا القول بأن ثمّة استبطان للفكر الديني، فاليوتوبيا مسعى فكري لبناء فردوس أرضي، يتحقق في الأديان بظهور المخلص، في حين إن الديستوبيا على العكس من ذلك مسعى فكري يرى أن الإنسان سينتهي بخلق جحيم أرضي، قد ينهي وجود المخلوقات، وليس الإنسان فحسب، من على وجه البسيطة. نحن هنا أمام رؤيتين متقابلتين؛ الأولى تفاؤلية، والأخرى تشاؤمية، تعكس مخاوف البشر من مستقبلهم، لكن مع القرن العشرين، الذي ولد في حرب عظمى وانتصف بأخرى، ومع سيادة أنظمة حكم شمولية أذلّت الإنسان وامتهنته، محيلة إياه إلى مجرد رقم فاقد لكل خصوصية أصبحت الرؤية الديستوبية تعكس واقعنا. فما أن يقيّد الجسد بأغلال العبودية حتى تسعى الروح للتحرر، ولن تجد تحررها إلا في الفن بأشكاله المختلفة. والديستوبيا صورة لمستقبل (جهنمي) مولّدة بضغط حاضر (جهنمي)، يكتب أورويل: "الأشخاص الذين يقولون إن هتلر هو مسيح دجال أو بشكل مغاير الروح القدس، هم أقرب فهما للحقيقة من المفكرين الذين واظبوا على الاعتقاد طوال عشر سنوات رهيبة أنه مجرد شخصية خارجة من أوبرا هزلية لا تستحق أن تؤخذ بجدية".. الدولة الشمولية إن كانت نازية، أو فاشية، أو شيوعية، أو قومية هي بنظر مواطنيها المستعبدين المسيح المخلص، وبنظر منتقديها المسيح الدجال، وقد يسأل سائل: ماذا ونحن شهدنا موت الدولة القومية وعشنا عصر الشركات العابرة للقوميات؟ والإجابة تبقى هي هي! إذ إن سيطرة الشركات الاقتصادية العملاقة كان يحتّمُ عليها تحطيم الأنظمة المستبدّة لإنشاء دولٍ رخوة لإغراقها بمنتجاتها، ومن ثمّ التحول من المواطن العامل إلى المواطن المستهلك كان هدفا، في ظل سيادة المنتج كانت التحولات العلمية المتصاعدة، تحولات غايتها السيطرة على الإنسان، من خلال تفكيك جميع المنظومات السلطوية القديمة لاستبدالها بسلطة الشركات متعددة الجنسيات، والعمل على تدجينه، وحصره في دائرة الاستهلاك، و"سحق المؤسسات (الشريرة) التي تقف بوجه النصر النهائي لـ(حرية السوق)". هذه المؤسسات الاقتصادية العابرة هي ذاتها المتحكمة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن ثمّ فهي متحكمة (أمنيا) فينا وموجهة لتحركاتنا، فضلا عمّا أثارته من قبل فينا أفلام بطلها هذا الذكاء: Ex Machina، وBlade Runner، وThe Matrix. وسبق للفيلسوف إيغور تشوباروف أن قال: "حتى لو لم نكن من (السايبورغ ) بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أنه ليس لدينا أعضاء اصطناعية، لكن في الواقع أصبحنا منذ فترة طويلة روبوتات حيوية من خلال ممارسة أنشطتنا الاجتماعية اليومية، وذلك لأننا نقوم بتنفيذ مجموعة من الخوارزميات ونتبع البرامج في حياتنا التي لا يمكن أن تسمى حياة طبيعية. بدءاً من التصفح الالكتروني والتواصل عبر الشبكات الاجتماعية، وصولاً إلى حرب الطائرات المسيرة - كل شيء لا يخضع اليوم لإرادة شخص ما، وإنما نخضع باستمرار لأجهزة الذكاء الاصطناعي المبرمجة". وبحسب (لوفلوك) فإننا في طور الانتقال من عصر (الأنثروبوسين) إلى عصر (النوفاسين) عصر تحكمه أنظمة الذكاء الاصطناعي... في بحث مستفيض يستعرض فيه ما تسببنا فيه من خراب ينتهي (توم فيلبس) إلى قول يشعرنا فيه بغبائنا، نحن مدعي التفوق العقلي : "أعتقد يا أصحابي أننا دمرنا الأمور بالفعل"..
فهل من بؤس أكبر مما نحن فيه؟
رواية (نحن): نهاية التاريخ المأساويّة

_ في الديستوبيا الروسية
بعد ما يقرب من القرن على نشر الكاتب البريطاني توماس مور لروايته اليوتوبية، نشر مواطنه جوزيف هال (1547- 1656) أول رواية ديستوبية في العام 1605، تحت عنوان (Mundus alter et idem)- عالم واحد برغم الاختلاف- وهي رواية ساخرة تحكي رحلة الراوي على متن السفينة (فانتازيا) في البحار الجنوبية، لزيارة أراضي كرابوليا، وفيراجينيا، ومورونيا، ولافيرنيا (التي يسكنها الشرهون، والحمقى، واللصوص على التوالي). وهذه الرواية لم تُذكر لولا ظهور اتجاه روائي كامل في القرن العشرين تبنى الرؤية ذاتها، اتجاه روائي بدأهُ جيروم كالابكا جيروم (1859- 1927) بقصته (يوتيوبيا الجديدة) في العام 1889، تبعه ه. ج. ويلز بروايته النائم يستيقظ في العام 1910. وكان اكتماله بما قدّمه لنا الأدب الروسي وشغل الأدب الأوربي، إنها رواية (نحن) للروائي الروسي يفغيني إيفانوفيتش زمياتين (1844- 1937) التي كتبها في العام 1920، ونُشرت بترجمة إنكليزية في العام 1924، وفرنسية في العام 1929. لكنها لم تعرف في فضائنا العربي. رواية مثّلت أنموذجا للرواية الديستوبية، وقد وصفها كاتبها في حوار معه بأنها ليست مجرد أهجية سياسية، بل منذرة من التسلط المتصاعد للآلة، وللدولة، ولم يكن زمياتين يختلف عن أقرانه من الشباب الروس الذين نظروا إلى الثورة على أنها ضرورة، وإلى الشيوعية على أنها المجتمع الأمثل، وخير من مثلهم الشاعر الكبير ألكسندر بولوك (1880- 1921) الذي كتب متغنيا بها: "إنّ اندفاع الثورة الروسية التي تريد أن تغمر العالم كله.. على أمل أن تطلق إعصارا يلفّ العالم على اتساعه... يحمل الرياح الدافئة وأريج بساتين البرتقال إلى الأرض المغطّاة بالثلج، ويرطب السهوب التي تسعفها الشمس في الجنوب بالأمطار الشمالية الباردة... (السلام والأخوة بين الأمم) هما الراية التي تمضي في ظلها الثورة الروسية". هو ذاته بعد سنوات قليلة منها تحدث، بمناسبة ذكرى وفاة بوشكين، قائلا: "حين تصادر منّا الحريّة والأمن.. سلام الرّوح الضّروريّ للإبداع، وحريّة الخلق.. فإنّه لا مصير للشّاعر غير الموت، لأنّه يغدو غير قادر على التنفّس، ويفقد كلّ معنى للحياة"، وقد مات بعد ذلك بستّة أشهر، لكنه قبل أن يغمض عينيه مستسلما لموته المبكر، وبعد أن ذاق الاعتقال في العام 1919 كتب: "إن كل الأصوات توقفت. لم يعد هناك أي صوت...". وظل يردد حتى مماته: "لقد غدوت أصمّ.. لقد غدوت أصمّ".. هكذا نرى أن الثورة التي شكّلت حلما بيوتوبيا أرضية سرعان ما انقلبت إلى ديستوبيا ليس للشاعر صوتٌ فيها، فالدولة بقضها وقضيها تتكلم بلسان واحد. وهذا ما تبدأ به رواية (نحن)، وإن لم يكن اليأس من حال روسيا هو السبب الكامن وراء كتابتها، بل صعود الآلة، وهيمنة العقل المجرد عن عواطفه، وكما كتب أورويل في مراجعته: "ربما لم يقصد أن يكون نظام الحكم السوفياتي الهدف الخصوصي لهجائه، فقد كتب الكتاب في زمن موت لينين، ولا يمكن أن تكون ديكتاتورية ستالين في تفكيره، ولم تكن الظروف في روسيا في العام 1923 بالدرجة التي تجعل المرء يثور ضدها".

نحن العقلانية المستبدة
تبدأ بخبر نقلته جريدة الدولة الوحيدة- تأكيد مركزية الدولة- جاء فيه: "منذ ألف عام، أخضع أجدادنا الأبطال الكرة الأرضية كلها لسلطة الدولة الواحدة. وعلى كاهلكم الآن تقع مأثرة أمجد: أن تدخلوا معادلة الكون اللامتناهية بواسطة التكامل الزجاجي، الكهربائي، الذي ينفث النار في عملية التكامل. على كاهلكم الآن، أن تُخضعوا لنير العقل الخيّر الكائنات المجهولة التي قطنت الكواكب الأخرى، والتي لاتزال في حالة الحرية المتوحشة. وإذا لم تدرك هذه الكائنات أننا نحمل إليها السعادة الأكيدة رياضيا، فمن واجبنا أن نحملها على أن تكون سعيدة؛ لكن علينا أن نختبر الكلمة قبل أن نختبر السلاح"، في هذا النص المنشور تتوضح لنا الخطوط الكبرى للرواية: فهي تقع في المستقبل البعيد، حيث عالمنا الأرضي دولة واحدة بحكومة واحدة كلية السلطة، خطابها عقلي تنويري، وهو الخطاب ذاته الذي تبنته الإمبريالية الأوربية في القرن الثامن عشر وما بعده. فالآخر (الشرقي) متوحش. يجب أن يجبر على التحضر، والسعادة مرتبطة بالتحضر في عقول التنويريين. والعقلانية هنا عقلانية (تايلورية): "كيف استطاعوا أن يكتبوا ما يملأ مكتبات كاملة من رجال نكرة، مثل (كانط)، وكادوا ألا يلحظوا (تيلور)؟ هذا النبي الذي استطاع أن يستشرف في زمنه أبعد من عشرة قرون"، وعقلانية تايلور عقلانية تقنية، وهذا توقف عنده (برونو ترنتان) في كتابه (مدينة العمل) بقوله: "إن التايلورية والنظام الفوردي تزامنا مع صعود تقدم متواصل للجانب التقني ولجانب الإنتاج الضخم، الأمر الذي أتاح- على الأقل لرؤساء الشركات المستنيرين- أن يقلصوا حدّة الفقر... مع تطوير أنظمة ليست بتعسفية وإنما هي (عملية) من أجل تأدية عمله". لقد قوبلت ابتكارات تايلور الإدارية، ومن ثمّ فورد بحماس كبير، بوصفها حلولا لأزمات الرأسمالية بعيدا عن جذرية الحلول الشيوعية. فكان تايلور في هذه الرواية (النبي) المتّبع في عالمها. وقد أبرزته الرواية ليس إداريا فحسب، بل تقنيا أيضا فنحن أمام تحولات علمية كبيرة (عملية التكامل) والدخول في معادلة الكون اللامتناهية، للعثور على كائنات في كواكب أخرى، وقدرتنا على الوصول إليها. كل هذا يوضح تحكم التقنية في الإنسان، واحتكامه الكلي إليها. وتختتم هذه الرسالة (الإعلامية) الموجّهة إلى العالم الخارجي بـ"عاشت الدولة الواحدة، عاشت الأرقام، عاش المحسن"، والمحسن هو رئيس الدولة، فيما الأرقام إشارة إلى سلطة العقل- العلم. من هذا البيان اللاشخصي ينتقل السرد إلى الحكاية بضمير المتكلم، ونُواجَه بشخصية البطل (د- 503) وهو الرياضي (عالم رياضيات) الذي بنى التكامل (سفينة الفضاء)، ولهيمنة الرياضيات، وتسلّط التنظيم فإن كل مواطن منح رمزا رمزا لا اسما، رمزا يُعرف به. ليس لهذا فحسب، بل لكونهم متشابهون أيضا: "لا أحد هنا (واحد فرد) بل (واحد من). فنحن كلنا متشابهين، كلنا واحد"، وهذا ما يفسّر عنوان الرواية- المذكرات، إذ يذكر البطل أن "(نحن) هذه عنوان مذكراتي". فنحن أمام مجتمع كأن أفراده مستنسخون رياضيا، لا بايولوجيا. يصف البطل عالمه الرياضي- التقني، حيث البشر كالآلات، المشاعر القديمة أماتتها التقنية، فكأنما الإنسان استحال إلى عقل فحسب، عقل مزهو بنفسه: "كأنما أنا وليس أجيالا كاملة، أنا بشخصي هزمت الإله القديم، الحياة القديمة"، لذا وزّع تاريخ العالم بين قديم يعبد (إلههم) القصور، في حين عالمهم يعبد الطاقة: "هناك في العالم قوتان: القصور والطاقة. أحدهما تميل إلى السكون المغتبط، إلى التوازن السعيد، والثانية إلى تحطيم التوازن، إلى الحركة اللامحدودة بشكل مؤلم. أجدادنا المسيحيون، أو بالأحرى أجدادكم أنتم كانوا يعبدون القصور كإله". وهو أمر يوضحه بحواره مع (م- 330) حين يقول لها بأن الكون عبارة عن توازن قائم، ومنتشر في كل مكان، تجيبه ضاحكة بأنه في حال وجود أجسام باردة يجب صدم أحدها بالأخرى لتوليد نار، انفجار، تصادم. ما نعيشه في الرواية عقلٌ مقاد بالكامل، ومقيد: "في ساعة واحدة ودقيقة واحدة ننهض، نحن الملايين، كرجل واحد. في ساعة واحدة نبدأ، نحن الملايين، عملنا كرجل واحد، وفي ساعة واحدة كرجل واحد، ننهيه كذلك. وفي ثانية واحدة يحددها اللوح، نرفع الملاعق إلى أفواهنا وقد انصهرنا في جسم واحد ذي ملايين الأيدي، وفي ثانية واحدة نخرج في نزهة، ونذهب إلى قاعة تمارين (تيلور) ثمّ نمضي إلى النوم". هكذا نقف أمام عقل مغيب برغم حضوره العملي- التقني الكبير، وكأننا أمام روبوت من لحم ودم، روبوت بشري، بلا (نفس أو روح)، يذكر في تداعيه: "إنني أشعر بذاتي، لكن لا يشعر بذاته، لا يعي فرديته إلا العين التي فيها قذى، والأصبع، والسن المريضة. أما العين السليمة والأصبع السليم والسن السليمة فكأنه لا وجود لها. أليس واضحا بعد هذا أن الوعي الشخصي ما هو إلا مرض". وفي مكان لاحق يشبّه عالمه هذا بالجنة: "في الجنة لا يعرفون الحب، هناك ملائكة، عبيد الله مغتبطون مستأصل خيالهم (مغتبطون لأنه استأصل خيالهم لا غير)". هكذا نرى أن الاستلاب هو السمة الأبرز، إذ كل شيء في حياة الفرد مرسوم ومحدد سلفا، وليس الفرد هنا إلا استعارة!
حتى الشعر مات الشعر الغنائي وحلّ محله الشعر التعليمي، فكانت المنظومات التعليمية هي شعر هذا الإنسان المقاد. المقاد حتى في حبه وعلاقاته الجنسية: "أن تدع الحياة الجنسية من دون مراقبة: من يشاء وفي أي وقت يشاء وقدر ما يشاء... شيء غير علمي بتاتا، كالحيوانات. وكالحيوانات، على عمى، كانوا ينجبون الأطفال"، فردوسهم وسعادتهم في عالمهم وليد عبوديتهم الطوعية: "المحسن، الآلة، المكعب، الجرس الغازي، الحرّاس. هذا كله خير، رائع، نبيل، سام، صاف كالبلور. لأن هذا يصون لا حريتنا أي سعادتنا". اقترنت سعادتهم بعبوديتهم الآلية وليست الطوعية، لقد بُرمجوا عليها. لذا فصلوا بين عالمهم السعيد وعالم الأحرار بسور: "الإنسان لم يكف عن كونه حيوانا متوحشا إلا حين بنينا السور الأخضر، فضرب هذا السور بين عالمنا الآلي الكامل وعالم الأشجار والطيور والحيوانات القبيح، الذي لا يحكمه المنطق". وعلى وفق السياق أو النظام المتبع فإن (د- 503) يلبي رغباته الجنسية مع فتاة (وردية الخدود) يرمز لها بـ(ف- 90) وهي تعيش بعلاقة جنسية مع شخص آخر (شريك جنسي) هو (ر- 13)، وهو شاعر دعائي، وبحسب ما يرى (د- 503) إن هذه (هؤلاء الثلاثة) هي عائلته. لكن حياته، العامة والخاصة، تنقلب حين يلتقي بعازفة وممثلة تحمل الرقم (م- 330) إذ معها، وبضغط حبه لها، وهو أمر يتعارض مع جوهر النظام، يبدأ بخرق قوانين كان يقدسها. ففضلا عن اجتماعه بها في أوقات العمل، وهو مخالفة صريحة، فإنه يعيش وإياها في عالم القرن العشرين، الذي تخطاه العالم بأكثر من ألف سنة مما نعدُّ، فبين خمر وسكائر وحياة منفلتة من نظام الدولة تبدأ الرحلة الروحية لبطل الرواية (د- 503)، رحلة يقودها الحب، هذه الكلمة التي مات استعمالها في نظام الدولة الشمولية الواحدة، فهو أصبح لا يستطيع أن يتخيل حياته بدونها (م- 330)، لقد عُدّ حضور الجانب الروحي وباءً، إذ يقول له الطبيب حين اكتشفه لديه: سأفشي لك سرا. هذا ليس عندك وحدك. زميلي لا يتحدث عن الوباء عبثا". في حين تبدو (م- 330) على النقيض من هذا- النظام- كله، فهي في ردها عليه حينما قال لها بأنه يشعر بأنه غبي تقول: "لماذا تظن أن الغباء شيء غير جيد؟ لو أن البشرية تعهدت الغباء ورعته قرونا كما فعلت بالعقل، فلربما كان منه شيء ذو قيمة خارقة". وهذا الاختلاف يتجلى حين ترفع يدها معارضة لحكم المحسن حين تجري الانتخابات السنوية في عيد الدولة الكبير، والانتخابات هي بيعة للمحسن، وليست انتخابات بشكلها المعروف لنا. وكان من نتيجة رفضها وبعض من جماعتها أن نزل الحرس وبطش بهم، وهنا تُثار التساؤلات في داخله: "(معارض) وفي عيد الإجماع (معارض)؟ إني أشعر بالخجل والألم نحوهم والخوف عليهم. ومن هم، بالمناسبة، هؤلاء؟ ومن أكون أنا نفسي: أأنا (هم) أم (نحن)- أتراني أعرف؟". ولأنه شارك في انقاذها، ولحبه الجارف لها فإنه اتبعها متخطيا السور الأخضر المحيط بعالمه، ليهربا نحو العالم الآخر: "وانفرجت الأشجار فإذا نحن في مرج، وفي المرج بشر.. لا أستطيع وصفهم، ربما من الصواب القول: كائنات".
وربما قمة الأسى، والصورة التي اجتمعت فيها جماليات حزننا التاريخي الدفين في أعماقنا منذ طفولتنا، وطفولة بشريتنا، في تداعيه، بعد أن كُشف أمره: "لو كان لي كما للأقدمين أم، أمي أنا من دون غيري تحديدا، وأن لا أكون. أنا بالنسبة إليهم باني (التكامل) والرقم (د- 503) وأحد جزيئات الدولة الواحدة، بل قطعة إنسانية بسيطة، قطعة من ذاتها هي، قطعة مداسة مسحوقة مرمية، حتى تسمع سواء كنت أنا الذي أَصلِبُ أو أُصلَبُ، هذا شيء واحد، ما لا يسمعه أحد، حتى تنحني شفتاها العجوزان المطمورتان بالتجاعيد". لكن بعد اعتقاله، واعترافه بين يدي (المحسن) يربط إلى مقعد وتستأصل من رأسه نزعته الإنسانية تلك، فيخرج ممتلئا بالسعادة، سعادة عقل فارغ، سعادة آلة! في حين رفضت المرأة (م- 330) الاعتراف بشيء برغم ما تعرضت له من تعذيب، هذه المرأة التي لم يعد قادرا على التعرف عليها. لتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة، فبرغم عودة (د- 503) إلى القطيع، وحملة الإعدامات والقتل الجماعي لأصحاب المشاعر، الذين حاولوا الثورة، وفتحوا كوة في جدار (العزل) هذا، إلا أن هذه الدولة المستبدة لم تجد حلا للتخلص من تأثيرهم إلا بتشييد جدار أكثر تحصينا من السابق. أما بطل الرواية فيفقد إمكانية التمرد: "أنا واثق ومؤمن بأننا سننتصر. لأن العقل يجب أن ينتصر". وانتصار العقل هنا، هو انتصار للدولة المستبدة، دولة العلم، وكأن الرواية نبوءة بالنازية، التي بنت ألمانيا على قواعد العقل، وبما يمكن أن يكون عليه حال روسيا مع الحكومة السوفيتية. ولاشكّ بأن الرواية تقدم لنا صورة لما يمكن لتسلط العقل (الآلة) أن يفعله بالبشر، هي صورة تناقض ما شاع من تغنّ بالعقل. وكأن لا سبيل أمامنا إلا أن نعيش آلات أو حيوانات تقودها غريزتها؛ صورة بائسة لا تترك في ذهن قارئها إلا الأسى المضمخ بالكآبة، فليس غريبا أن تسابقك الدموع وأنت تقرأ مشهد فقدانه لذاكرته ونسيانه لامرأة غيّرت مجرى حياته.
"نشأ تشويق (نحن) جزئيا من يقظة وعي (د- 503) التدريجية لوضعه الحقيقي، ومن الألم المتأتي من وعيه المتنامي للشخصية، وجزئيا من حقيقة أن (الدولة المتحدة) مهددة بخطط من الناس وراء الجدار للسيطرة السفينة الفضائية (...) تتميّز (نحن) كقطعة نثرية بالرشاقة والحدّة ووضوح الرؤيا وبالبراعة الفنية". لقد كتب الرواية، كما أشرنا من قبل، قبل صعود الستالينية، لكنه بحسه العالي كان يستشعر المآل الذي ستؤول إليه الأمور، لا يختلف في هذا عن ألكسندر بلوك لقد ناصر الاثنان الثورة، لكنهما فُجعا بالمآل، فمات صامتا من كان تغريده يملأ سماء روسيا بالحماس والحب، وأخرج زمياتين رائعته (نحن)...

الخاتمة
(القرن العشرين)... مزيد من المشردين
سديم الحياة أكثر إثارة للفزع
(ظل جناح الشيطان
أكثر سوادا وضخامة)
... نفور من الحياة
وحب جنوني لها...
تحولات لم يسبق لها مثيل
وتمرد منقطع النظير.
هذا ما كتبه الشاعر الروسي الكبير في استقبال القرن العشرين، وهو ما عبّر عنه زمياتين بقوله: أمس كان هناك قيصر وعبيد، اليوم ليس ثمّة قيصر، لكن العبيد بقوا". هذه الرؤية الشعرية جسدتها الرواية بصورة أخرى مستغلة المجال المتخيل الذي ولّدته الثورة الصناعية. كتب أورويل في مراجعته لرواية (نحن): "ربما لم يقصد يكون نظام الحكم السوفياتي الهدف الخصوصي لهجائه، فقد كتب الكتاب في زمن موت لينين، ولا يمكن أن تكون ديكتاتورية ستالين في تفكيره، ولم تكن الظروف في روسيا في العام 1923 بالدرجة التي تجعل المرء يثور ضدها". فيما ذهبت فالنتين كاتاسونوف بعض القراء والنقاد اعتقدوا أن الرواية تعكس إلى حد كبير واقع بريطانيا ذلك الزمان. وقد احتلت هذه الرواية، بحسب شبكة مكتبات (تشيتاي غورود)، المرتبة الخامسة بين الروايات الروسية الأكثر مبيعا في العام 2023. كُتب الكثير عن تأثيرها فيما كُتب من روايات ديستوبية لاحقة، إذ ذهب أورويل إلى تأثّر هكسلي بها، وكذا الأمر مع كورت فونيجت (1922- 2007) في روايته (البيانو الآلي Player Piano) المنشورة في العام 1952، أما تأثيرها في رواية أورويل نفسه 1948، الذي كتب مراجعة لها، فهو واضح وجلي، كذلك أثّرت في ورواية (نشيد) لآين راند (1938)، وإلى حدٍّ ما رواية (دعوة إلى جلسة قطع الرأس) لفلاديمير نابوكوف في العام 1938.
شكلت (نحن) معطفا لم تخرج منه رواية الديستوبيا إلى يومنا هذا..
▪︎المصادر
أ.الكتب
- آين راند (مقدمة)، إيمون باتلر، ترجمة: عبد المعين السباعي وآخرين، بيت الحكمة (د. ت).
- الأعمال السياسية والأدبية، جورج أورويل، ترجمة: أسعد الحسين، دار نينوى، دمشق، ط1، 2019.
- بؤس الأيديولوجيا، كارل بوبر، ترجمة: عبد الحميد صبرة، دار الساقي، بيروت، ط1، 1992.
- البشر موجز تاريخ الفشل، نوم فيلبس، ترجمة: يارا برازي، المؤسسة العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2020.
- تاريخ الأدب الروسي، تحرير تشارلز أ. موزر، ترجمة: د. شوكت يوسف، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، ط1، 2011.
- حضارة عصر النهضة، جيمس وستفال تومسون وآخرون، ترجمة: الدكتور عبد الرحمن زكي، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، 1961.
- الخوف من البرابرة (ما وراء صدام الحضارات)، تزفيتان تودوروف، ترجمة: د. جان ماجد جبور، هيئة أبو ظبي للثقافة (كلمة)، أبو ظبي، ط1، 2009.
- دستوبيا (كوابيس المدن الفاسدة في الأدب والفن)، علي عباس مراد، دار دجلة الأكاديمية، بغداد، ط1، 2021.
- دعوة لجلسة قطع الرأس، فلاديمير نابكوف، ترجمة: يونس بن عمارة، دار كلمات، الكويت، ط1، 2017.
- العرف الوردي في أخبار المهدي، الحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: الدكتور مهدي أكبر نجاد، هستي نما، طهرلن، ط1، 1429ه- 2008م.
- عصر الآلات الذكية، راي كيرزويل، ترجمة: عزت عامر، كلمات عربية، القاهرة، ط2، 2010.
- قرن آخر من الهيمنة الأمريكية، نيقولاس جويات، ترجمة: عزة الخميسي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2003.
- كوميديا العمل الإنسانية من نزع الصفة الإنسانية لدى التايلورية إلى إدارة مفرطة في النزعة الإنسانية، دانيال لينهارت، ترجمة: هالة صلاح الدين لولو، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2020.
- لماذا أكتب؟ جورج أورويل، ترجمة: عليّ مدن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2013.
- مئة عام من الأدب الروسي، ترجمة: أنور محمد إبراهيم وعلي غالب أحمد غالب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2018.
- مئة عام من الأدب الروسي، فلاديمير أكيموف، ترجمة: أنور إبراهيم وآخرون، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2023.
- المرجع في روايات الخيال العلمي، م. كيث بوكر وآن ماري توماس، ترجمة: عاطف يوسف محمود، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2010.
- نحن، يفغيني زمياتين، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات أثر، الدمام، ط1، 2016.
- نسيج الإنسان الفاسد، إيزايا برلين، ترجمة: سمية فوعبود، دار الساقي، بيروت، ط٢، 2016.
- النضال ضد عبادة الماضي (الاتجاهات الطليعية الروسية 1910- 1930) إعداد وترجمة: عبد القادر الجنابي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، ٢٠١٥.
- النضال ضد عبادة الماضي (الاتجاهات الطليعية الروسية 1910- 1930) إعداد وترجمة: عبد القادر الجنابي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1.
- نهاية اليوتوبيا (السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة)، راسل جاكوبي، ترجمة: فاروق عبد القادر، سلسلة عالم المعرفة (269) المجلس الوطني، الكويت، ط1، 2001.
- الهوية الرقمية بين الحتمية الافتراضية وتقنيات الميتافيرس المعزز (مقاربة عصر ما بعد الصورة وميديا رقمنة الأجسام عند مارك هانسن) خالد حمادي، الملتقى الدولي: تأثير استخدامات وسائل الإعلام والاتصال الجديدة على قيم الشباب بين فهم التأثير وحقيقة التغيير، جامعة تامنغست، الجزائر، 2022ش.
- يتوبيا، توماس مور، إنجيل بطرس سمعان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1987.
ب. المجلات والمواقع
1. الاثنا عشر لألكسندر بلوك لمحو الحدود بين الثورة والجريمة، إبراهيم العريس، اندبيندت العربية 26 مايو 2020: https://www.independentarabia.com/node/122426/
2. ألكسندر بلوك العندليب الذي تجمّد قلبه، جيل براسنيتزار، ترجمة وإعداد: أحمد حميدة: https://www.aletihad.ae/article/61472/2017/%D8%A3D8
3. بمناسبة مئوية رواية (نحن) ليفجيني زمياتين الـ(أنتي طوباوية) التي تصبح واقعا، فالنتين كاتاسونوف، ترجمة: عبد الجليل النعيمي، موقع المنشور على النت، آذار 2020: https://www.altaqadomi.org/?p=9041
4. تفوّق (المعلم ومارغريتا) على (الجريمة والعقاب) في مبيعات الأدب الروسي، صحيفة البيان على النت: https://www.albayan.ae/amp/culture-art/culture/2024-01-13-1.4799644
5. العنصرية: من البيولوجيا إلى الثقافة النَّشْأة والتَّطور، ثائر ديب، موقع معابر: http://www.maaber.org/issue_january05/spotlights3.htm
6. فريدريك وينسلو تايلور الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
7. ويكيبيديا: https://en.wikipedia.org/wiki/Mundus_Alter_et_Idem








