
التسول الإلكتروني... كسب غير مشروع يهدد إخلاقيات المجتمع

نهيل حسن
20/2/2025، 12:47:23 م
يبدو أن ظاهرة التسول لم تعد حكراً على الشوارع والتقاطعات، بعد أن وضعت أقدامها بقوة في ردهات مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات "التسول الإلكتروني" ظاهرة تتنامى على نطاق واسع ومزعج، إذ لا تكاد تكتب أو تقرأ تغريدة واحدة إلا واستوقفتك ردود بعض المتسولين التي يطلبون فيها المساعدة المالية تارة، والتذرع بجمع تبرعات للمرضى والمحتاجين تارة أخرى، ويطل أبطالها علينا من أرقام هواتف وهمية تمكنهم من إيصال مشكلاتهم إلى الملايين من دون أي جهد مستغلين عاطفة الناس لمآرب مجهولة.
لقد ظهر التسول الإلكتروني مع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وابتكار طرق جديدة تتركز أغلبها على الجوانب الإنسانية لإيهام المجتمع والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص لاستعطافهم في تقديم المساعدة المالية، وبعد أن كان المتسولون يطرقون الأبواب وتجدهم في الطرقات والمساجد أصبحوا يستخدمون وسائل أكثر تقنية في الوصول إلى أكبر شريحة عبر استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لما تتميز به من سهولة وسرعة في الوصول إلى أكبر شريحة بالمجتمع. ومع كثرة شكاوى البعض من الاستغلال السيئ للتقنية وانتشار ظاهرة التسول الإلكتروني والقصص الحزينة خلف هذه الظاهرة، تتزايد الدعوات إلى ضرورة وجود قوانين صريحة وأنظمة تحد من انتشار أساليب الكسب غير المشروعة أو لوائح تشريعية تنظم عملية التبرعات في منصات التواصل الاجتماعي. ولمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع تواصلت "مراصد" مع عدد من المختصين.
▪︎ دوافع التسول
تعتقد الدكتورة ميليسا شعبان أخصائية نفسية: هناك العديد من الدوافع للتسول منها الاتكالية والإدمان والتنشئة الخاطئة، وللتصدي والتعامل مع هذه الظاهرة، يجب عدم التعامل مع أي صور استعطاف وعدم تصديقها وعدم مجاراة مرسليها والتفاعل معهم، فالمحتاج الحقيقي عزيز ولن يخوض في بحر التسول، وأيضا تجب زيادة مجالات التوعية، فالتسول الإلكتروني رياح نشطة تهدد المجتمع واستقراره ويجب الاعتماد على العمل والإنتاج التي تضبط الإنسان، وللتبرع قنوات رسمية، والفرق الأهلية على دراية بالأسر المحتاجة والمستحقة.
وتضيف شعبان : لقد انتشر التسوّل الإلكتروني إلى درجة أنه بات يشكّل خطرًا على الفرد والمجتمع، ويؤثر على أمنه النفسي والاجتماعي والاقتصادي، بسبب اعتماد هذا النوع من التسوّل على ابتكار طرق جديدة تتركز أغلبها على الجوانب الإنسانية بُغية الوصول لأكبر عدد ممكن من الأشخاص لاستعطافهم في تقديم المساعدة المالية للشخص المستفيد "المتسوّل المحتال"، من خلال نشره لحسابات بنكية داخلية أو خارجية وبطريقة غير قانونية.

▪︎ التصدي للظاهرة
المهندس بسام مهيدي متخصص في صناعة المحتوى الرقمي يقول: ظاهرة حديثة ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت لسهولة التواصل مع الآخرين وهذه الظاهرة بدأت بالانتشار كثيرا في الفترة الأخيرة عبر المنصات ويجب التصدي لها، فهذه الظاهرة غير حضارية تظهر من خلال تواصل المتسول مع الآخرين ليطلب منهم مساعدة مالية بحجة أن لديه التزامات لم يستطع أن يوفيها، أو أنه يعاني من مرض ما وفي معظم الحالات تكون لديه بعض المستندات التي لا نعلم مدى مصداقيتها والتي يحاول أن يثبت من خلالها حاجته الماسة إلى المبالغ المالية، ولا يمكن أن نعمم بأن الجميع يكذب من أجل الحصول على المال حيث إن البعض يجدها وسيلة ليستر بها على نفسه ولكن الغالبية يحاولون خداع الآخرين من خلال هذا التصرف وحتى إن كان صادقا فمن الأجدى والأفضل أن يقوم الشخص بمراجعة الجهات المختصة للحصول على المعونة المالية التي يحتاجها، أما التسول الإلكتروني فغالبا ما يكون خداعًا . وتكمن الخطورة الأكبر من جمع هذه الأموال حسب المهندس مهيدي في أمور غير قانونية أو محظورة، ومثل هذا النوع من التسوّل يجعل الفرد يمنح ويُقدّم أمواله إلى أفراد أو جهات مجهولة، كون المتسوّل يخفي شخصيته الحقيقية معتمدًا فقط على إرسال رسالة تحتوي على طلب التبرع، موضحًا فيها رقم الحساب البنكي المطلوب التحويل عليه أو اسمًا وله عنوان يطلب إرسال حوالة بنكية له وعادة ما يكون ذلك العنوان وقتيًا فقط، مضيفا : وللحــــدِ من هذا النوع من التسوّل، فإنه عندما يتم تداول رسالة طلب مال عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أي جهة كانت أو غير مرخص لهم جمع المال على الجميع الحرص التام للإبلاغ الفوري عنها لاتخاذ الإجراءات القانونية من قبل الجهات ذات الاختصاص، موضحا أنه وللحد من حالات التسول الإلكتروني، من الأفضل أن تذهب تلك الأموال إلى الجهات المعلومة والمعروفة بمصداقيتها، كي تصل إلى مستحقيها الفعليين، لاسيما أنَّ هناك حالات حقيقية تقدر بالآلاف، فضلا عن أنه يجب إبلاغ الجهات الأمنية عن رسائل طلب الأموال، لكي تتخذ الإجراءات القانونية بحق هؤلاء الأشخاص، لكون المجتمع ليس بحاجة إلى ظواهر سلبية أخرى، ويبقى الأمل بالوعي لدى فئات المجتمع، بالامتناع عن الترويج للحالات التي لا يعرف حقيقتها، لأن هذه الوسيلة الأكثر فعالية في الحد من تحول هذه الحالات إلى ظاهرة سلبية في المجتمع.

▪︎ صعوبة التمييز
الصحفية ميرفت بيشماني تقول : ليس كل متسول فقيرًا أو صاحب حاجة ماسة، ولكن سهولة الحصول على الأموال، دفعت الكثير إلى جعل التسول مهنة لهم، سواء كان التسول في المواقع الافتراضية أو في الطرقات، لاسيما مع صعوبة التمييز ومعرفة حقيقة تلك الحالات من قبل مستخدمي تلك البرامج، فضلا عن أن استخدام الأسماء المستعارة، يشكل عائقًا آخر للجهات المختصة، للتحقق من هوية المتسولين، لذا من الصعب معرفة الحقيقة من الخداع في هذه الحالات، ولتجنب تلك الحالات يجب أن تدفع هذه الأموال مهما كان حجمها، إلى جهات معلومة وموثوقة، لكي لا تستغل تلك الأموال في دعم الجماعات المتطرفة، وتمويل الإرهاب، أو لتعاطي المخدرات، وبذلك يكون الشخص قد تجنب أمرين غاية في الأهمية، وهما: أن لا يكون قد وقع ضحية لعمليات النصب والاحتيال، أو بين الشعور بالذنب لعدم المساعدة، فضلا عن ذلك فإن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، يلجأ أغلبهم إلى التسول بشكل غير مباشر، عن طريق جمع الأموال بحجة مساعدة الفقراء، دون الكشف عن هؤلاء وهذا دليل على أن هؤلاء الأشخاص موهوبون في احتيالهم، حتى أن بعضهم اتخذه مهنة لصعود أول خطوات سلم الثراء، لذا فإن التسول الإلكتروني لا يختلف عن التسول التقليدي، ففي النهاية هو طريقة سهلة لكسب المال والمزيد من المال، ولا يرتبط بأي شكل من الأشكال بالوضع الاقتصادي للمتسول، ففي أكثر من حالة تجد السلطات المختصة مبالغ كبيرة جدا في منازل المتسولين بعد وفاتهم. ولعل نشر التوعية الإعلامية الموجهة للمجتمع ضروري للحد من هذه المشكلة كما ترى الصحفية بيشماني ، إلا أن أي عمل أو جهد، لن يحقق النتائج المرجوة منه إلا بتكاتف وتعاون الجميع، وأهم ما نُعوّل عليه هو وعي المجتمع الذي هو بمثابة صمام أمان لوطنه، فمتى ما تعاون أفراد المجتمع بالامتناع عن تقديم الدعم لهؤلاء، وساهم في الإبلاغ الفوري ، ومن المؤكد أنه يمكن احتواء هذه المشكلة إذا ما عملنا جميعًا بروح الفريق الواحد، كذلك، فإن كل من يرغب في تقديم الصدقات أو المساعدات المالية أو العينية فإن هناك العديد من المؤسسات والجمعيات والفرق الخيرية المرخص لها لجمع المال، وتقوم جميعها بإيصال وتقديم المعونات لمستحقيها.
▪︎ وسيلة كسب غير مشروع
أن الاستغلال الخاطئ للثورة التكنولوجية خلفت العديد من الجرائم التي نشهد تزايدها المستمر وعلى وجه التحديد المالية منها، إن للتسول الإلكتروني آثاراً سلبيةً على الاقتصاد الوطني لاي بلد، وعلى المجتمع على وجه العموم بحيث يضعف الثقة بالمحتاج الحقيقي، ويقلل من التكافل الاجتماعي، ومن أبرز الآثار الاقتصادية السلبية خلق عناصر خاملة عاطلة عن العمل وانعدام مساهمة المتسول في الناتج المحلى الإجمالي، فهو يمثل عبء على المجتمع ويساعد على زيادة معدلات الجريمة ويعرقل النمو الاقتصادي، كما يجب أن تكون هناك حملات توعية على وسائل التواصل الاجتماعي لكونها الوسيلة الأسرع في الوقت الحاضر، والأكثر انتشارًا بين مختلف الفئات، عن مخاطر حالات التسول الإلكتروني من قبل الجهات الرسمية، بوصفها وسيلة للكسب غير المشروع، وبيان المخاطر التي من الممكن أن يقع بها الأشخاص.

▪︎ ضعف الرقابة وغياب القانون
من جهة أخرى يقع على عاتق هيئات الاتصال والإعلام، مسؤولية متابعة الصفحات التي تروج لتلك الحالات، والتأكد من مدى صحتها، لأن هناك عصابات جريمة منظمة تستغل مواقع التواصل الاجتماعي لكسب الأموال، عن طريق استغلال الحالات الإنسانية لبعض الأشخاص، لاسيما أن العديد من الدول العربية تفتقر إلى قانون خاص بالجرائم الإلكترونية. ويعد ضعف الرقابة وغياب القانون حافزًا للبعض لاستغلال الناس، وفي الوقت ذاته استغلال معاناة أصحاب الحاجة الحقيقية، لاسيما أن منهم من يعاني من أمراض تكلفة علاجها أكثر من قدرتهم المالية، واستخدام صور ومقاطع فيديو للأشخاص المحتاجين، الذي يعد الى جانب كونه من وسائل الكسب غير المشروع. فان هذا النوع من التحايل والإستغلال يدخل ضمن إطار الإتجار بالبشر، مما يضع المتورطين في ممارسة هذا السلوك الإجرامي تحت طائلة المسائلة القانونية.








