
الخيال الأنثروبوسيني.. إعادة تشكيل الفضاء الديستوبي ـ الجزء(1)

د. سعيد عبد الهادي المرهج
23/2/2025، 10:02:22 ص
مقدمة: الرواية من الديستوبيا إلى الأنثروبوسين
إذا كانت الديستوبيا شكلت ملمحا أساسيا في الرواية العالمية في قرننا الماضي، فإنه، ومذ ربعه الأخير حتى لحظتنا الراهنة أصبحت فيه جزءا مما أطلق عليه الأنثروبوسين، إذ يمكن عدّه الفضاء الأوسع الذي اجتمعت فيه خيال النهايات، نهاية العالم (الإيبوكاليبس) مع المدينة الفاسدة (الديستوبيا) إلى جانب ما انتجه الخيال العلمي بكل سعته، إن على مستوى تخيّل شكل العلاقة بين الإنسان والآلة أو أثر التقنية في الكون المحيط بالإنسان.
فإذا كان الأنثروبوسين يراد به حقبة تأثير البشر في الطبيعة، فإننا، بالمقابل، يمكن أن نتحدث، عمّا نسمّيه الخيال الأنثروبوسيني، ونعني به: توظيف المخيلة البشرية في رسم وتصور طبيعة ما خلفه الأثر البشري في محيطه المادي عموما باستغلاله الوسائل والأساليب الفنية المختلفة.
ومصطلح الأنثروبوسين في أصله، مثله مثل معظم آلتنا الاصطلاحية الحالية، وليد اللغة اليونانية، فـ(الانثروبوس) تعني الإنسان، والـ(سين) من (الكينوس) بمعنى (الحديث- الجديد) واصطلاحا أريد به: (حقبة التأثير البشري) لتكون التالية لحقبة (الهولوسين ) التي امتدت لـ(11500) سنة. لكن (حقبة التأثير البشري) ما زالت افتراضية، ولم يصبح المصطلح شائعا إلا بائتلاف الألفية، أي في العالم 2000، برغم أنه لم يعتمد في بعض المؤسسات العلمية إلا بحلول العام 1995، بفضل العلّامة الهولندي (بول كروتزن 1933- 2021) الذي وصف به تأثير الأنشطة الإنسانية، مثل الصناعة واستعمال الوقود الأحفوري، على النظام البيئي والتغير المناخي؛ مؤكدا أن الأنشطة البشرية قد أدت إلى تغيّرات بيئية كبيرة. فقد رأى أنّ "الجنس البشري يمثّل قوةً جيولوجية رئيسية لآلاف السنين، وربما ملايين السنين". وهو أمر حدده بوضوح (جديدياه بوردي) في كتابه (بعد الطبيعة) بقوله: "إن تعريف الأنثروبوسين يعني التأكيد على ما نعتقد أنه مهم في تلك العلاقة، وإدراك أن الفجوة المألوفة بين البشر والعالم الطبيعي لم تعد مفيدة أو دقيقة" . شيوع المصطلح جعل منه حقيقة علمية برغم أنه مازال يثير الكثير من الجدل عند الجيولوجيين، إذ استعملوا مصطلح (الكارثية الجديدة- Neocatastrophsim) إشارة إلى تغيّر الظروف على الأرض .
فإذا كانت الدراسات العلمية سبّاقة في رصد هذا التأثير، والكتابة عنه، والبحث فيه سلبا أو إيجابا، هل كانت الفنون متفرجةً، والفنانون حياديين؟
لا شك بأن المخيال الأدبي كان السبّاق في الرصد والتحذير، فمنذ القرن التاسع عشر بدأت رواية الخيال العلمي تشقُّ طريقها بين متشائم يرى في العقل البشري آلة دمار وإبادة، ومتفائل يرى فيه آلة بناء ستقودنا نحو فردوسنا الكوني، لا الأرضي فحسب، وآخر يجرجر خطى خياله بينهما. وليس مسعانا في بحثنا هذا إلا للوقوف عند المنجزات الروائية لمخيلتنا تجاه هذه الحقبة. أو كيف رسمت المخيلة شكل مستقبل عالمنا في ظل هيمنة التأثير البشري (الأنثروبوسين).

الأنثروبوسين: تجليات الأبوكاليبس في الرواية
"في عالم تديره الآلات وتُتحكم فيه تمامًا بقبضة الإنسان، ظهر جيل يسعى جاهدًا لإعادة بناء ما سلبه سابقوه. لقد كانت الأرض ساحة للمعارك، ليس بين الأمم، بل بين القيم. تلك الأنهار التي كانت تجري بألوان الحياة، تحولت إلى مجاري للتخلص من النفايات، وكأن الطبيعة نفسها فقدت صوتها. كنت أرى شجيرات صغيرة تتذمر تحت وطأة مزيج من التلوث وانعدام الرحمة، لكن وسط هذه الفوضى، كانت تنمو حركات جديدة، أشخاص يتحدون العواقب، يحاولون إعادة الغنى إلى العالم الضائع"، هذا ما وصف فيه (أيان بانكس 1954- 2013) في سلسلته الروائية الشهيرة (الثقافة) عالمنا المعاصر، وهي رؤية تنسجم مع ما طرحه الفكر الأنثروبوسيني بمساراته المختلفة.
التلوث يغرقنا، باتت أصواتنا تستحيل زفيرَ منهكٍ، والعصافير التي كانت ترافق نوافذنا جرفتها أبراج الكآبة الشاهقة، مثلما جرفت الأشجار، وخنقت الأنهار. سماؤنا ملبدة بغيوم سود من منبعثات الاحتراق وأرضنا استباح خضرتها التصحّر، عالمنا جزر من الإسفلت والحجر المعالج والحديد الصدئ، لم نعد نعرف الغزلان إلا من صورٍ إرشيفية، وليس للأفيال والزرفات من وجودٍ خارج محميات تؤكد حجم استهتارنا بالطبيعة. دُجن المتبقي من الأسود والدببة في حلبات السيرك.. وهل من سيرك إلا ونحن أبطاله وضحاياه؟
إلآمَ أوصلنا العقل؟ حروب تتصاعد وتيرتها مع تطورنا التقني، وأوبئة أصبحنا نصنعها بأنفسنا لأنفسنا، وتدمير منظّم للطبيعة، وتناسل أكل الأخضر واليابس، وها هو يهدد كائنات الأرض بالفناء تحت ضغط الاحتباس الحراري
كل هذا كان محركا لمخايل أدباء استشرفت مستقبلنا، كلٌ منطلقٌ من لحظته المرتهن بها. فإذا كانت ماري شيلي في الرجل الأخير (1826) صوّرت وباءً يطيح بالبشرية، فإنها كانت ابنة لحظتها، إذا كان (السلُّ) يفتك بمن حولها، فيما جاءت رواية ريتشارد جيفريز (بعد لندن 1855) لتصور كارثة مفاجئة، وغير محددة أدت إلى إخلاء إنجلترا من السكان، فيعود من نجا إلى الريف حيث الطبيعة الحيّة، والعيش بأسلوب حياة يشبه حياة القرون الوسطى. لكن دمار هيروشيما وناكازاكي في العام 1945 بعث صورةً جديدةً من صور النهايات (أبوكاليبس Apocalypse) إذ أصبحنا أمام (خيال نووي) مشغول بما يمكن أن تصنعه حرب نووية بعالم شلّته الحروب، وأقضّت مضجعه الصراعات بجميع أشكالها. معها تغيّرت (تخيلاتنا عن الكارثة) بحسب سوزان سونتاغ . فكانت رواية (ظل على الأرض) في العام 1950 لجوديث ميريل، التي تصور فيها الكارثة التي تحلّ بكوكبنا بعد هجوم نووي مباغت يشنه السوفييت على أمريكا، وكذا الأمر مع رواية (الغد الطويل) للاي براكيت في العام 1955، التي وصفت فيها الرهاب (فوبيا) الذي يصيب مجتمع ريفي من حرب نووية. لكن مع العقد الستيني من القرن العشرين، حلّت الأزمات البيئية محلّ كل ما سبق، وكان كتاب (الربيع الصامت) لراشيل كارسون الصادر في العام 1963 بيان إدانة لتقدمنا التقني الذي أفسد وجودنا الطبيعي: "كان ربيعا بلا أصوات، الصباح الذي كان ينبض بأناشيد الفجر التي ينشدها الهزار والحمام والعصافير وعشرات غيرها من الطيور، أضحى بلا صوت. الصمت يرقد فوق الحقول والنباتات والمستنقعات" ، هذه الصورة التي ترسمها لمدينة أمريكية معبرةً عن عالمنا المعاصر أجمع.
كان الصعود إلى القمر يمثّل الوجه التقني الأبرز لعقد الستينيات في حين أنّ المجاعة الكبرى التي ضربت الصين تمثّل وجهه البيئي الأبرز، فيما الانفجار السكاني مثّل ثالثة الأثافي، وبينهما تشكّلت نظم الحريات التي تمددت في العقود الأخيرة. في عالم كهذا توزع المخيال الروائي- العلمي في مرويات ما بعد النهاية (الكارثة) بين خيال منشغل بالجانب التقني، وما يمكن أن يصنعه في صانعه، مشكّلا نهاية حياةٍ لم نعرف كيف نحميها من عقولنا. وأخرى انشغلت برصد الأثر السلبي للتحولات البيئية المتسارعة، وثالثة كان الانفجار السكاني شاغلها الرئيس.
ففي رواية أنطوني برجس (1917- 1993) البذرة المرغوبة (المطلوبة)- 1962، نعيش مواجهة الاكتظاظ السكاني الذي صوِّر من خلال محدودية المواد وإعادة استعمالها. ولمعالجة هذا الأمر يصار إلى تشجيع المثلية الجنسية والعقم الذاتي، وكل ما من شأنه الحد من الإنجاب. بل نجد أن الشرطة في معظمها من المثليين جنسياً (الرجال الرماديون). يصاحب كل هذا انتشار وباء غامض يحيل الناس إلى أكلة للحوم بعضهم (أكلة لحوم البشر)، ويزج البطل عسكريا في حرب يدرك أنها ليست مع عدو حقيقي؛ بل غايتها السيطرة على البشر .
والثيمة نفسها نقرأها في رواية هاري هاريسون (1925- 2012) المعنونة (افسح مجالا! افسح مجالا!) المنشورة في العام 1966، وأحداثها تجري في العام 1999، وبداية العام 2000، مصورةً عالما تخطى السبعة مليارات إنسان بموارد محدودة تسيطر عليها أقلية من الدول والبشر أيضا. وتدور أحداثها في مدينة نيويورك المكتظة بالسكان (35 مليون نسمة). صوّر، في الكثير من أجزائها، ما يعانيه البشر بسبب شحة الموارد، وكلهم ينتظر العام 2000 بوصفه عام النهاية الحتمية للبشرية . وفي العام 1968 ظهرت رواية (الوقوف على زنجبار) للروائي البريطاني جون برونر (1934- 1995)، وربما هي الرواية الأهم والأبرز فنيا، في معالجتها للموضوع نفسه (الاكتظاظ السكاني) تدور أحداث الرواية في العام 2010، في أمريكا أيضا. بطلها مدير تنفيذي في شركة جنرال تكنيكس، يرتقي إلى منصب نائب الرئيس في سن السادسة والعشرين. تعقد شركته صفقة، من خلاله، مع دولة (بنينيا) الأفريقية- المتخيّلة لتولي إدارة بلادها من أجل تسريع التنمية فيها. من جهة أخرى تصف لنا الرواية كيف استطاعت الهندسة الوراثية اختراق دولة (ياتاكانج) الآسيوية- المتخيلة أيضا. بتقاطع هاتين الحبكتين تحلُّ عواقب تمسُّ العالم أجمع. وقد تنبأت الرواية بالعديد من الأمور التي ستحدث في القرن الحادي والعشرين، ربما من أبرزها: إنشاء الاتحاد الأوروبي، وصناعة السيارات الكهربائية وشيوع الموسيقى الإلكترونية، وحظر التدخين والسماح المقنن بتعاطي الماريجوانا؛ وأعمال العنف وإطلاق الرصاص في المدارس، ورؤية الناس بعضهم البعض والتحدث من خلال الشاشات، وانتشار علاقات الشذوذ الجنسي، مثلما توقع تخطي سكان الأرض للسبعة مليارات إنسان، وترؤس (أبومي) لأمريكا. وهي تنبؤات صدقت بمجملها . هذه التنبؤات المتحققة أكملها في روايته (الأغنام تتطلع إلى الأعلى) المنشورة في العام 1972، إذ تنبأ بوقوع كارثة بيئية لانتشار ضباب الدخان في المدن، واتساع دائرة الحروب، فضلا عن تلوث المياه وتحوّل أمطارنا إلى أمطار حمضية، ما ينتج عنها تلف المحاصيل، وموت الغابات، وانقراض واسع للكثير من الحيوانات. كما تنبّأ بتفشي أمراض مقاومة للمضادات الحيوية، بنتيجة الإفراط في تعاطي المضادات . تدور أحداث الرواية في عام واحد، كل فصل يتناول شهرًا منه. تبدأ برجل يركض عبر طريق سانتا مونيكا فتصدمه سيارة لتقتله تحت عجلاتها. وتنتهي بمرثية رعوية لجون ميلتون (ليسيداس) استمدت الرواية عنوانها منها:
"الخراف الجائعة تنظر إلى الأعلى، ولا يتم إطعامها،
لكنها منتفخة بالرياح والضباب الكثيف الذي تسحبه،
تعفن من الداخل، وتنتشر العدوى القذرة" ...

وبينهما تتجلى أبيات قصيدة جون ملتون بوصفها إشارة للخراب الأرضي. ففي الهندوراس التي مزقتها الحرب الأهلية، وأبادتها المجاعة تبحث مجموعة من محققي الأمم المتحدة في مزرعة قهوة مدمرة لتكتشف وجود حشرات غامضة تملأ جذور النباتات بالثقوب. تُعرف هذه الحشرات باسم (جيجاراس)، وهي حشرات محصّنة ضد المبيدات الحشرية. وتتواصل أفعال الخراب والتدمير بمتوالية متصاعدة شهرا بعد شهر، في الرواية، بمقابل إنسان الخراب هذا تبرز شخصية (توم جراي) العالم الذي يسعى للتوصل إلى حل للمشاكل البيئية من خلال بناء أنموذج محاكٍ للأرض.
وتأتي روايات جيمس غراهام بالارد (1930- 2009) لتقدم لنا صورة قاتمة عن عالم أحاله البشر إلى مستنقع تتصارع بين ضفتيه النتائج الكارثية للتكنولوجيا مع مخلوقاتها المشوهة من فايروسات عابرة، وكوارث مناخية، وانقراض لكائنات شاركتنا الأرض. ففي روايته (العالم الغارق) المنشورة في العام 1962، يتحدث عن تأثير الاحتباس الحراري، وما تسبب به من إغراقٍ لعالمنا، فيما جاءت روايته اللاحقة (العالم المحترق) لتصف لنا الأرض ومن بقي من البشر ما بعد جفافها، وندرة الماء فيها. وبذا كانت من أوائل الروايات التي يمكن عدّها أمثلة أنموذجية للخيال الأنثروبوسيني.
وفي السياق ذاته يمكن أن نضع رواية مارغريت أتوود (عام الطوفان) المنشورة في العام ٢٠٠٩، وهي الجزء الثالث من ثلاثية روائية إلى جانب روايتيها: (أوريكس وكريك ومادآدم). وفي هذه الرواية التي تتوزع بطولتها بين (راين) و(توبي)، نقف على تطوير وتنويع لأحداث الرواية السابقة، بخلق عالم روائي موازٍ للعالم السابق أبطاله المهمشون، ممن أسرتهم تقاليد الخراب، و(بستانيو الرب) الذين يسعون لإصلاح ما يمكن إصلاحه من هذا الخراب.
(توبي) تمثّل وجهة نظر هذه الجماعة شبه الدينية (بستانيو الرب)، بعد انضمامها إليها، متخذة مسمى حواء بمقابل إطلاق اسم (آدم الأول) على زعيم الجماعة. وكانت تمثل جزءا من مجتمع خربٍ مهمشٍ ينتظر الكارثة، فيما راين هي الأخرى من بستانيوا الله.، بعد أن كانت راقصة تعرٍ، وعاملة جنس في بيت دعارة. وكانت قد كرست روايتها الأولى من هذه الثلاثية (أوريكس وكريك) لعرض هذه الكارثة التي اجتمع في إحداثها البايولوجي بالبيئي، وكلاهما من صنعنا نحن البشر. وفي صراع هاتين الشخصيتين مع ظروفهما البائسة تلتقيان بجيمي (سنومان)، أحد شخصيات (أوريكس وكريك) وتتابع الرواية صراع هذه الشخصيات مع مجتمعها على المستويات كافة، وأبرزها الدمار البيئي- البايولوجي بفعل استغلال الشركات الكبرى غير المسؤول للطبيعة ومواردها، ومسعى بستانيو الرب لمعالجته. في خضم هذا الصراع تُبرز لنا أتوود، بعرض سردي متقن، حجم ما ألحقه الإنسان ببيئته من ضرر، متمثلا بانقراض العديد من الأنواع الحيوانية، بمقابلها، واستكمالا للتشويه البايولوجي يقوم العلماء بتخليق كائنات هجينة (ليوبام: مزيج من الأسد والشاة) وتهجين خلايا الماعز بالعناكب، وتعديل وراثي للماعز، وغيرها. العلم هنا في خدمة التسليع، وشعاره: كل شيء مباح لتغذية النزعة الاستهلاكية وتعزيزها.
هكذا هو الحال في معظم روايات النهاية، وما بعد النهاية (Apocalyptic and Post- Apocalyptic Fiction) فالدمار يغطي المساحة الأوسع في حين يترك بصيصا من ضوء خافت تتعلق أمانينا به، وما نحن إلا أماني!
اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م