
تهديد محتمل... فايروسات الخفافيش تثير فزع العالم من جديد

مراصد
25/2/2025، 11:23:10 ص
لم يكد العالم يطوي ملف محنة جائحة كورونا بكل مآسيها حتى ظهرت بوادر إنتشار فايروس جديد مماثل وبخطورة أشد من سابقه، الذي تسبب خلال عامين، في وفاة ما يقرب من 15 مليون شخص حول العالم، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. إذ أعلن عدد من علماء الفايروسات في الصين، اكتشاف فايروس تاجي جديد لدى الخفافيش، يمكنه إصابة البشر بنفس الطريقة التي يصيب بها فايروس "كوفيد-19".
والفايروس الجديد هو سلالة جديدة من فايروس كورونا HKU5""، اكتشف لأول مرة في خفاش ياباني في هونغ كونغ، وفقا لصحيفةSouth China" Morning Post". وتنتشر صور لصينيين بالكمامات وأخبار حول اكتظاظ بمستشفيات على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات من فايروس جديد يصيب الجهاز التنفسي. هذه الأنباء أثارت قلقا واسعا، لدرجة أن أعداداً كبيرة في الولايات المتحدة ودول أخرى، عادت مؤخرا لارتداء الكمامات في المناسبات وأماكن التجمعات.
▪︎ إصابة الخلايا البشرية
وتشير الصحيفة إلى أن " فريقاً من العلماء برئاسة عالمة الفايروسات الصينية الشهيرة "شي تشنغ لي"، درس هذا الفيروس في مختبر "قوانغتشو" بالتعاون مع متخصصين من أكاديمية العلوم الصينية وبمشاركة علماء من جامعة "ووهان" ومعهد "ووهان" لعلوم الفيروسات". ويقول الخبراء، "لقد أبلغنا عن اكتشاف وعزل سلالة منفصلة "السلالة 2" من "KHKU5-CoV" التي يمكنها استخدام ليس فقط "ACE2" بروتين الغشاء لدى الخفافيش، بل وأيضا "ACE2" البشري وبقية الثدييات". واكتشف الباحثون، أن "الفايروس المعزول من عينات الخفافيش يمكنه إصابة الخلايا البشرية"، محذرين من أن "فايروسات الخفافيش تشكل خطورة كبيرة في الانتقال إلى البشر مباشرة أو من خلال الوسطاء".

▪︎ زلزال بيئي مرعب
على مدى ستين عاماً من مراقبة قرود الشمبانزي في "بودونجو" والتي كانت تتغذى على براز الخفافيش الجاف من تحت شجرة مجوفة وتلتهمه. ولم يسبق لأحد أن رأى مثل هذا الشيء، كما يتذكر عالم الأوبئة البيطرية توني جولدبرج من جامعة "ويسكونسن ماديسون"، ويقول: "بصرف النظر عن عامل الاشمئزاز، كان لدينا جميعاً نفس الفكرة بالضبط، لابد وأن يتعرضوا لفيروسات رهيبة تنقلها الخفافيش".
وقد ثبتت صحة هذا الشك، حيث وجد أن براز الخفافيش يحتوي على العشرات من الفايروسات غير المعروفة سابقًا، وفقًا لما ذكره جولدبرج وزملاؤه في مجلة Communications Biology"". وتشمل هذه مسببات الأمراض الجديدة فايروس كورونا جديد، وهو قريب من الفايروس المسبب لمرض "كوفيد-"19. ويقول عالم الأحياء التطوري باسكال جاجنوكس من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، والذي لم يشارك في الدراسة، إن الباحثين اكتشفوا "طريقة غير مدروسة تمامًا" يمكن من خلالها للفايروسات الجديدة أن تنتشر من الخفافيش إلى الثدييات الأخرى، بما في ذلك البشر، مضيفاً "يقوم هؤلاء المؤلفون بتوثيق "زلزال بيئي" مرعب تمامًا".
▪︎ مرض X
وكانت منظمة الصحة العالمية "WHO"، قد أطلقت، في ديسمبر الماضي، اسم "مرض إكس" على مسببات الأمراض غير المعروفة، وأدرجته في قائمة الأمراض ذات الأولوية التي تحتاج إلى أبحاث عاجلة.
وتطلق تسمية "مرض إكس" على أي عدوى غير معروفة حتى الآن، وتعد هذه الحالة واحدة من بين 11 مرضا آخر تعتبرها الأوساط الطبية من أكثر الأمراض التي تُثير القلق للعام الحالي. وشملت هذه القائمة أمراضا مثل الحصبة، والكوليرا، والقمل، وإنفلونزا الطيور، وحتى تفشيا آخر لفايروس كورونا.
وقال الدكتور مايكل هيد، الباحث في الصحة العالمية بجامعة ساوث هامبتون، إن "مرض إكس" هو من الأمراض التي قد تؤدي إلى انتشار واسع وربما جائحة. وأضاف أن العالم سيكون في حالة عدم الاستعداد إذا ظهر تفشي مفاجئ لهذا المرض، تماما كما حدث مع فايروس كورونا الذي صدم العالم.
وعلى الرغم من أن "مرض إكس" لا يصف حالة محددة واضحة، لكن فكرة وجود فايروس أو عدوى بكتيرية غير معروفة هي أمر حقيقي للغاية، وقد حث العلماء الحكومات على الاستعداد لما قد تطرحه الطبيعة من تحديات.

▪︎ كشف مبكر
وكان تقرير نشر عام 2013 في مجلة ساينس ناو "ScienceNOW"، قد كشف عن نتائج اختبارات أثبتت أن الخفافيش ربما تكون وراء كثير من الفايروسات التاجية التي انتشرت في الصين، ومنها إلى العالم منذ فايروس "سارس" 2002. التقرير كشف كيف ينتقل الفايروس التاجي من الخفاش إلى الإنسان، عبر مستقبلات وسيطة أخرى "حيوانات أخرى"، وكيف تغاضى كثيرون عن تلك النتائج التي كان يمكن أن تساعد البشرية على تفادي جائحة فيروس كورونا المستجد، الذي أصاب حتى الآن أكثر من 935 ألف شخص عبر العالم، وقتل نحو 48 ألفا آخرين. وكان رئيس منظمة "إيكو هيلث أليانس" في نيويورك، بيتر دازاك، في عام 2003، قد كشف أن "النتائج تظهر أن في الصين خفافيش تحمل فايروسًا يمكن أن يصيب الناس مباشرةً". وابتداء من ذلك العام، اشتبه علماء في أن الخفافيش بالفعل "هي المستودع الطبيعي للفايروسات التاجية المسؤولة عن مرض " كوفيد 19". وتم التوصل أيضا إلى نتيجة أن الحيوانات أضحت مصدرا للعديد من الفايروسات الخطرة، وعلى رأسها الفايروس التاجي الشبيه بالمتلازمة التنفسية الحادة.
▪︎ الحمض النووي الفايروسي
وفي عام 2005، وجد دازاك وآخرون الحمض النووي الفايروسي الذي يشبه إلى حد كبير فايروس "سارس" في ثلاثة أنواع من الخفافيش الصينية. وكان تسلسل ذاك الحمض النووي متطابقا بنسبة 88 إلى 92 في المئة مع ذلك الخاص بالفايروس التاجي "سارس"، وهي تسمية أخرى لفايروس" كوفيد 19"، إلا إن الدراسات أظهرت اختلافات واضحة في منطقة الترميز لما يسمى ببروتين "سبايك". في فايروس سارس، يرتبط هذا البروتين "سبايك" بمستقبلٍ على سطح الخلايا البشرية يمنعه من إصابتها مباشرة، بيد أن البروتين وصل بالفعل إلى جسم الإنسان عن طريق حيوانات أخرى، وخصوا بالذكر قط الزباد، الذي افترض العلماء أنه نقل البروتين الفايروسي إلى جسم الإنسان في أحد أسواق الصين. وفي الوقت الحالي، وبعد انتشاره بين البشر "لم يعد سارس بحاجة إلى قط الزباد لينتشر"، كما يقول علماء. إلى ذلك، جمع خبراء من الصين وأستراليا والولايات المتحدة مسحات شرجية أو عينات براز من خفافيش في كهف في "كونمينغ"، جنوبي الصين، ووجدوا أن حمضا نوويا مسؤولا عن كثير من الفايروسات متواجد في 27 من 117 من العينات. وكان من بين الفايروسات سلالتان جديدتان من الفايروسات التاجية تشبه سلالة "كوفيد 19" بشكل أوثق من تلك التي تم تحديدها سابقًا في الخفافيش.
▪︎ تحذير مبكر
في عام 2015 حذر باحثون من جامعة نورث كارولاينا الأميركية من ظهور "فايروس جديد من عائلة كورونا بشكل وبائي تعجز الخلايا المناعية في الجسم واللقاحات عن مقاومته"، وحدد الباحثون "الخفاش الصيني" كمصدر محتمل لتطور الفيروس الخطير. وقالت دراسة منشورة في موقع الجامعة، قبل خمسة أعوام إن "الفايروس الجديد سيصيب المجاري التنفسية وهو قابل للانتقال بين البشر بشكل كبير"، ورجحت أن ينتقل الفايروس عن طريق التواصل مع الحيوانات المصابة، وحملت الدراسة عنوان "مجموعة الفايروسات التاجية الخفاشية التي تشكل تهديدا للإنسان". وبينت الدراسة إن الفايروس هو أقل فتكا من سارس، لكنه يؤثر بشكل كبير على "الاحياء المسنة". وأكد القائمون على الدراسة إن الهدف منها "تسليط الضوء على خطر استمرار عودة ظهور فايروس سارس "كوفيد19" من الفيروسات المنتشرة حاليا في مجموعات الخفافيش". وانتشر فايروس كورونا الجديد، في نحو 154 دولة حول العالم، في أقل من خمسة أشهر من تاريخ اكتشافه لأول مرة، في مدينة ووهان الصينية. ويعتقد باحثون إن الوباء انتقل إلى البشر عن طريق أكلهم نوعا من الخفافيش، يباع في أسواق المدينة، أو عن طريق الانتقال من كائن آخر وسيط.

▪︎ جائحة عالمية أخرى
مدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا، في الولايات المتحدة، مايكل أوسترهولم، قال إن "سارس يصيب الأنسجة البشرية بسهولة، والعديد من الخفافيش تحمل الفايروس "هذا كاف لانتقال المرض من الخفافيش إلى الإنسان". كما قال كريستيان دروستين، وهو خبير الفايروسات التاجية في جامعة بون في ألمانيا، إن "هذا الفايروس يظهر نمطًا مشابهًا لمتلازمة التنفس الحادة، وهذا يشير إلى أن الفايروسات التاجية الموجودة في الخفافيش والحيوانات الأخرى تختلف في الطرق التي تقفز بها إلى البشر، لكنها ربما تكون المسبب الرئيس". تقرير مجلة "ساينس ناو ScienceNOW" الذي نشر سنة 2013 اختتم بعبارة "قد تساعد هذه النتائج علماء الفايروسات إلى مسببات الفايروسات التاجية، التي من المرجح أن تتسبب في حدوث جائحة عالمية أخرى".
▪︎ تهديد محتمل
وينتمي الفايروس الجديد إلى مجموعة "Merbecovirus"، التي تشمل أيضًا فايروس MERS""، ويُعتقد أنه يشكل خطرًا على البشر إذا انتقل عبر مضيف وسيط أو مباشرة. ووفقًا للدراسة المنشورة في مجلة ""Cell، الفايروس قادر على الارتباط بمستقبل ACE2"" في الخفافيش والبشر، ما يجعله قادرًا على إصابة الخلايا البشرية والأنسجة الاصطناعية التي تحاكي الجهاز التنفسي، ومع ذلك، أكد العلماء أن الفايروس لا يشكل تهديدًا وشيكًا للوباء في الوقت الحالي. على الرغم من المخاوف حول قدرته على الانتقال إلى البشر، أكدت منظمة الصحة العالمية أن هذه المجموعة من الفايروسات تُعد من المسببات الجديدة التي يجب مراقبتها عن كثب استعدادًا لأي تهديد محتمل. وتستمر اكتشافات "شي زينجلي" في إثارة الجدل حول أصول فايروس كوفيد-19، حيث يظل معهد "ووهان" لعلوم الفايروسات في قلب نظرية تسرب المختبر، رغم عدم وجود دليل قاطع حول الأصل الحقيقي للفايروس. وتشهد الصين ارتفاعا في حالات الإصابة بفايروس الجهاز التنفسي البشري المعروف بـ"ميتانيموفيروس" ومختصره بالانكليزية "hMPV"، خاصة في المقاطعات الشمالية وبين الأطفال. ويُعيد هذا إلى الأذهان ذكريات بداية جائحة كورونا، التي ظهرت في مدينة ووهان قبل خمس سنوات وأودت بحياة الملايين حول العالم. وبحسب أستاذ ومستشار علاج الأمراض المُعدية، ضرار حسن بلعاوي، في حديثه مع قناة "الحرة" فإن هذا الفايروس يثير بعض المخاوف بسبب تشابه أعراضه مع أعراض الفايروس المخلوي التنفسي والإنفلونزا ونزلات البرد. تم اكتشاف "ميتانيموفيروس" البشري لأول مرة في هولندا عام 2001. "وبالرغم من أنه جديد نسبيا من حيث اكتشافه، إلا أنه من المُعتقد أن الفايروس كان متواجدا لفترة طويلة قبل ذلك"، بحسب بلعاوي، الذي يشير إلى أن "ميتانيموفيروس" البشري والفايروس المخلوي التنفسي من نفس العائلة.
واعتبارًا من عام 2016، يعتبر ميتانيموفيروس البشري ثاني أكثر أسباب أمراض الجهاز التنفسي الحادة شيوعا "بعد الفايروس المخلوي التنفسي RSV" لدى الأطفال الأصحاء دون سن الخامسة في العيادات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية، بحسب بلعاوي. وتُشير الدراسات إلى أنه ينتشر موسميًا، عادةً في فصلي الربيع والشتاء. أما عن ظهور الفايروس مؤخرا في الصين، فإن بلعاوي يعزو ذلك إلى تزايد رصد الحالات وتسليط الضوء عليه، وليس بالضرورة إلى بدايته الفعلية. ونشر المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها بيانات تُظهر ارتفاعًا ملحوظًا في التهابات الجهاز التنفسي خلال الأسبوع الممتد من 16 إلى 22 ديسمبر 2024.









