
ملامح الحروب المستقبلية... التسلح الرقمي يعيد رسم قواعد الاشتباك بالصراعات

مراصد
1/3/2025، 11:51:56 ص
اجمع خبراء عسكريون على أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يمهد الطريق لاعادة تشكيل ملامح الحروب المستقبلية، يمكنها اتخاذ قرارات بسرعة فائقة، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى زيادة معدل الأخطاء بسبب التحيزات الخوارزمية ونقص التدقيق البشري. ويحذر محللون من أن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام سباق تسلح رقمي جديد، يمهد لتحول جذري في أساليب الحروب، حيث تلعب أنظمة الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في عمليات الاستهداف العسكري.
في الصراع المستمر في الشرق الاوسط، أدى حسب هؤلاء الى التعاون بين شركات التكنولوجيا الأميركية وإسرائيل لتعزيز قدرات التتبع والاستهداف، الامر الذي تسبب في تنفيذ هجمات بوتيرة أسرع ودقة أكبر. وفقاً لتقرير لوكالة "أسوشييتد برس". ومع هذا التطور، فانه بات يثير مخاوف متزايدة حول تداعيات التكنولوجيا على حياة المدنيين، خاصة مع ارتفاع أعداد الضحايا بشكل غير مسبوق. وكشفت الحرب الأخيرة عن اعتماد الجيش الإسرائيلي على تقنيات متقدمة من تطوير شركات أميركية كبرى، مثل "مايكروسوفت" في عمليات الاستهداف. ووفقاً لتحقيق الوكالة، فإن استخدام هذه التقنيات شهد قفزة نوعية بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث ارتفع معدل استخدامها 200 ضعف، مع زيادة كبيرة في حجم البيانات المخزنة على خوادم مايكروسوفت.
▪︎ مخاوف أخلاقية وإنسانية
من جانبهم افاد مسؤولون إسرائيليون بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تساهم في تسريع عملية تحديد الأهداف مع ضمان مراجعتها من قبل ضباط متخصصين ويستدرك قائلا:: ومع ذلك، فإن هذه الأنظمة ليست منيعة على الأخطاء، إذ أظهرت تقارير استخباراتية عدة حوادث أدت إلى استهداف خاطئ لمواقع مدنية بسبب سوء تفسير البيانات. والسؤال كيف زوَّدت الشركات الأميركية إسرائيل بنماذج الذكاء الاصطناعي "الحربي"؟. مكَّنت شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة إسرائيل من تعقب المسلحين المزعومين وقتلهم بسرعة أكبر في غزة ولبنان من خلال استخدام مكثّف لخدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة. لكن عدد المدنيين الذين قُتلوا ارتفع أيضاً؛ ما أثار مخاوف من أن هذه الأدوات تساهم في مقتلهم. ووفق تقرير نشرته وكالة "أسوشييتد برس"، استأجرت الجيوش لسنوات شركات خاصة لبناء أسلحة مستقلة موجهة. ومع ذلك، فإن حروب إسرائيل الأخيرة تمثل حالة رائدة، إذ استُخدمت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية المصنوعة في الولايات المتحدة في الحرب.
يستخدم الجيش الإسرائيلي الذكاء الاصطناعي لغربلة كميات هائلة من المعلومات الاستخباراتية والاتصالات التي تم اعتراضها والمراقبة للعثور على الكلام أو السلوك المشبوه ومعرفة تحركات أعدائه..
وكشف التحقيق أيضاً تفاصيل جديدة حول كيفية اختيار أنظمة الذكاء الاصطناعي للأهداف والطرق التي يمكن أن تخطئ بها، بما في ذلك البيانات المعيبة أو الخوارزميات المعيبة. وقد استندت إلى وثائق داخلية وبيانات ومقابلات حصرية مع مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين وموظفين في الشركة. تقول هايدي خلف، كبيرة علماء الذكاء الاصطناعي في معهد "AI Now" ومهندسة السلامة السابقة في "OpenAI": "هذا هو أول تأكيد حصلنا عليه لكون نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية تُستخدم بشكل مباشر في الحرب... العواقب هائلة على دور التكنولوجيا في تمكين هذا النوع من الحرب غير الأخلاقية وغير القانونية في المستقبل".

وقد تكثفت هذه العلاقة، إلى جانب العلاقات مع شركات التكنولوجيا الأخرى، بعد هجوم "حماس". ووفقاً لعرض قدمته العام الماضي الكولونيل راشيلي ديمبينسكي، كبيرة مسؤولي تكنولوجيا المعلومات في الجيش، فإن استجابة إسرائيل للحرب أرهقت خوادمها الخاصة وزادت اعتمادها على البائعين الخارجيين من جهات خارجية. وبينما كانت تصف كيف قدم الذكاء الاصطناعي لإسرائيل "فاعلية تشغيلية كبيرة جداً" في غزة، ظهرت شعارات "Microsoft Azure" و"Google Cloud" و"Amazon Web Services" على شاشة كبيرة خلفها. ووجدت الوكالة في مراجعة معلومات الشركة الداخلية أن استخدام الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي ارتفع إلى ما يقرب من 200 مرة أعلى مما كان عليه قبل ذالك.
▪︎ احترام حقوق الإنسان
وفي بيان موسع على موقعها على الإنترنت، تقول الشركة إن "احترام حقوق الإنسان هو قيمة أساسية للشركة" وهي ملتزمة "بالدفاع عن الدور الإيجابي للتكنولوجيا في جميع أنحاء العالم". وفي تقريرها المكون من 40 صفحة حول شفافية الذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2024، تعهدت "Microsoft" برسم خريطة وقياس وإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي طوال دورة التطوير للحد من خطر الضرر. ولم تذكر عقودها العسكرية المربحة. وقد رفض الجيش الإسرائيلي الإجابة عن أسئلة مكتوبة مفصلة من الوكالة حول استخدامه منتجات الذكاء الاصطناعي التجارية من شركات التكنولوجيا الأميركية، لكنه قال إن محلليه يستخدمون أنظمة مدعمة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف وفحصها بشكل مستقل مع ضباط رفيعي المستوى لتلبية القانون الدولي، وموازنة الميزة العسكرية مقابل الأضرار الجانبية. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان للوكالة: "تجعل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه عملية الاستخبارات أكثر دقة وفاعلية، وفي كثير من الأحيان في هذه الحرب تمكنت من تقليل الخسائر المدنية".
▪︎ أنظمة الاستهداف
وتوفر شركات تقنية أميركية أخرى، مثل "Google"
و"Amazon"، خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للجيش الإسرائيلي بموجب "مشروع نيمبوس"، وهو عقد بقيمة 1.2 مليار دولار تم توقيعه في عام 2021، عندما اختبرت إسرائيل لأول مرة أنظمة الاستهداف الداخلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. واستخدم الجيش الإسرائيلي مزارع خوادم أو مراكز بيانات. وتوضح الشركة انها تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول "يحمي الناس ويعزز النمو العالمي ويدعم الأمن القومي".
ويستخدم الجيش الإسرائيلي"Microsoft Azure" لتجميع المعلومات المحصَّلة من خلال المراقبة الجماعية، بما في ذلك المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والرسائل الصوتية، وفقاً لضابط استخبارات إسرائيلي. يمكن بعد ذلك التحقق من هذه البيانات بواسطة أنظمة الاستهداف الداخلية في إسرائيل بيانات "Microsoft" التي راجعتها الوكالة. ومنذ هجوم 7 أكتوبر، استخدم الجيش الإسرائيلي بشكل مكثف أدوات النسخ والترجمة ونماذج "OpenAI". وعادةً، تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تنسخ وتترجم بشكل أفضل باللغة ، الذي يمكنه النسخ والترجمة إلى لغات متعددة بما في ذلك العربية، يمكنه تكوين نص لم يقله أحد، بما في ذلك إضافة تعليقات عنصرية والخروج بخطاب عنيف. وذكر ضباط الجيش الإسرائيلي الذين عملوا على أنظمة الاستهداف إن الأخطاء يمكن أن تحدث لأسباب عدّة تتعلق بالذكاء الاصطناعي.

وتتضمنت المكالمات الهاتفية التي تم اعتراضها والمرتبطة بملف تعريف الشخص الوقت الذي اتصل فيه الشخص وأسماء وأرقام الأشخاص الموجودين في المكالمة. لكن الأمر يتطلب خطوة إضافية للاستماع إلى الصوت الأصلي والتحقق منه، أو رؤية نص مترجم. والشخص الذي يعرف اللغة العربية من المفترض أن يتحقق من الترجمات. ومع ذلك، قال أحد ضباط المخابرات إنه رأى أخطاء استهداف تعتمد على ترجمات آلية غير صحيحة من العربية إلى العبرية.
▪︎ اختيار الهدف والاشتباك
والواقع أن دور الذكاء الاصطناعي في هذه الصراعات متعدد الأوجه، حيث يقدم فوائد ومخاطر محتملة تستحق الدراسة المتأنية. حيث تنقسم أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الصلة بالأمن الوطني بشكل عام إلى فئتين: المهام الأولية، مثل الاستخبارات والمراقبة وإدارة المعلومات؛ والمهام النهائية، مثل اختيار الهدف والاشتباك. وتسابقت البلدان والجماعات المسلحة على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة للطائرات بدون طيار، وأنظمة الاستهداف، والأسلحة البرية والبحرية. مما أدى الى زيادة كبيرة في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المعقدة لتعزيز قدرات الحرب، ويتم استخدام هذه الأنظمة الآن في الصراعات المميتة. وأصبحت الطائرات بدون طيار المسلحة المزودة بأنظمة استهداف تعمل بالذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في الصراعات خاصة في الشرق الأوسط. فمن استخدام إسرائيل للطائرات بدون طيار الانتحارية في غزة إلى الحوثيين، تثير هذه المركبات الجوية غير المأهولة مخاوف بشأن الخسائر المدنية والحرب الأخلاقية. الى ذلك يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في الهجمات السيبرانية، حيث تسمح بالاستطلاع الآلي، وتحديد نقاط الضعف، وحتى تطوير البرامج الضارة ذاتية الانتشار. يمكن لهذا الشكل من أشكال الحرب أن يشل البنية التحتية، ويعطل شبكات الاتصالات، وينشر الفوضى على نطاق واسع. ووفقا لمحللين تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تفحص كميات هائلة من البيانات من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يوفر رؤى قيمة حول تحركات القوات وتخطيط العدو والتهديدات المحتملة. ويمكن أن تكون هذه المعلومات الاستخباراتية حاسمة لاستهداف قوات العدو واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
▪︎ القبة الحديدية
نظام القبة الحديدية الإسرائيلي هو نظام دفاع جوي يعمل في جميع الأحوال الجوية، ويهدف إلى اعتراض وتدمير الصواريخ قصيرة المدى والمدفعية، قبل أن تصل إلى أهدافها الإسرائيلية. في الآونة الأخيرة، تم تحديث القبة الحديدية بقدرات ذكاء اصطناعي جديدة لتحسين دقة وكفاءة النظام وزيادة فعاليته ضد مجموعة أوسع من التهديدات. تُستخدم الآن خوارزميات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات الاستخباراتية من الرادار وأجهزة الاستشعار الأخرى لتتبع الأسلحة الواردة وتحديد أفضل وقت لاعتراضها، مما يزيد من معدل نجاح القبة الحديدية إلى أكثر من 90%. وأثبتت أنظمة الدفاع الصاروخي التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، مثل القبة الحديدية الإسرائيلية، فعاليتها العالية في اعتراض الصواريخ والقذائف المدفعية القادمة. وتساعد هذه التكنولوجيا في حماية السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية من الهجمات. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير أدوات الأمن السيبراني المتقدمة للكشف عن الهجمات السيبرانية وإحباطها. وهذا أمر بالغ الأهمية لحماية الشبكات العسكرية والحكومية الحساسة من الاختراق والتخريب. كذلك يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحسين العمليات اللوجستية وإدارة سلاسل التوريد والتنبؤ باحتياجات الصيانة للمعدات العسكرية. ويمكن أن يؤدي هذا إلى تحسين الكفاءة وضمان وصول الموارد الحيوية إلى الخطوط الأمامية عند الحاجة إليها.

▪︎ مخاوف أخلاقية
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يقدم مزايا لا يمكن إنكارها في الحروب الحديثة، فإن استخدامه يثير مخاوف أخلاقية كبيرة. فالاحتمالات التي قد تلوح في الأفق لتشغيل أنظمة الأسلحة المستقلة دون إشراف بشري تثير تساؤلات حول المساءلة وخطر العواقب غير المقصودة. وعلاوة على ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب السيبرانية من شأنه أن يطمس الخطوط الفاصلة بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما قد يؤدي إلى أضرار جانبية واسعة النطاق وغير مقبولة. ومع استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فمن المرجح أن يصبح دورها في الصراعات أكثر أهمية. وسوف يتطلب إدارة المخاطر وتعظيم فوائد هذه الأداة القوية تعاونا دوليا دقيقا، وأطرا أخلاقية قوية، والالتزام بالاستخدام المسؤول. في نهاية المطاف، فإن القرار بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح قوة للخير أو الشر في الحروب يقع على عاتق البشرية نفسها. لذا ينبغي التعامل مع هذه التكنولوجيا بحذر وبصيرة، مع ضمان أنها تخدم قضية السلام والأمن للجميع








