
الصحافة حول العالم... إتساع دائرة المخاطر وسط غياب الضمانات القانونية

مراصد
4/3/2025، 2:30:32 م
تُوصف الصحافة بمهنة البحث عن المتاعب، هدفها الأساسي الإفصاح عن المعلومات لإعلام المواطن وإطلاعه على تفاصيلها. هذه المهمة الإنسانية، وفقًا للمواثيق الدولية، تعمل اليوم بمختلف أنواعها في بيئة تسودها الفوضى ويغيب فيها القانون، وتشهد تراجعًا في دورها بفعل تحديات سياسية تفرضها العديد من الحكومات.
يتصدى "مؤشر حرية الصحافة" السنوي الذي تُصدره منظمة "مراسلون بلا حدود" لتحليل تلك التحديات وما ينتج عنها من انتهاكات يتعرض لها الصحفيون، بالإضافة إلى الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يعملون في ظلها.
في هذا السياق، دعا تقرير التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2024 إلى أهمية أن تظل وسائل الإعلام المستقلة بعيدة عن التأثيرات الخارجية، مثل الضغوط الحكومية لتوجيه الأخبار بشكل معين. كما أكد على ضرورة وجود "التعددية" في الإعلام من خلال مصادر موثوقة يمكن للناس الاعتماد عليها للوصول إلى المعلومات.
▪︎ تراجع ملحوظ
وفقًا لهذا التصنيف، أبرزت النتائج لعام 2024 تراجعًا في حرية الصحافة عالميًا مقارنة بالأعوام الماضية، حيث تم تصنيف ثماني دول فقط، معظمها في شمال أوروبا، على أنها تتمتع بحرية صحافة "جيدة". ورغم تصدّر الدول الإسكندنافية لهذا المجال، فإنها أيضًا ليست بمنأى عن التحديات.
لا تقتصر التهديدات التي تواجه الصحفيين على العنف الجسدي فحسب. ففي النصف الأول من عام 2024، كانت 12% من الهجمات جسدية، بينما كانت ربعها بسبب الرقابة، وثلثها هجمات لفظية مثل التهديدات والترهيب. يؤكد "تيبو بروتان"، المدير العام لمنظمة "مراسلون بلا حدود": "الصحفيون لا يموتون، بل يُقتلون؛ كما أنهم لا يقبعون خلف القضبان من تلقاء أنفسهم، بل إن الأنظمة هي التي تزج بهم في السجون؛ أضف إلى ذلك أنهم لا يختفون هكذا بدون سبب، بل إنهم يُختطفون. وهذه كلها جرائم تنتهك القانون الدولي، ومع ذلك فإنها غالبًا ما تمر دون عقاب، علماً أنها غالبًا ما تقف خلفها حكومات دول أو جماعات مسلحة".

▪︎ الصحافة عدو الشعب!!
المثال الأبرز هو تلك الإجراءات الأخيرة في الولايات المتحدة، عندما تصدرت قضية حرية الصحافة الواجهة بسبب منع البيت الأبيض وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية من حضور المؤتمرات الصحفية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يشتهر بعدائه المستمر لوسائل الإعلام التقليدية. فقد وصف الصحافة سابقًا بأنها "عدو الشعب". واتخذ الرئيس الأمريكي إجراءات قانونية ضد صحفيين ووسائل إعلام، حيث رفع دعاوى ضد عدة شركات إعلامية. وأشارت "مراسلون بلا حدود" إلى أن منع وكالة أسوشيتد برس من استخدام اسم "خليج المكسيك" بسبب رفضها تسميته "خليج أمريكا" جعل وكالات الأنباء تتجنب تغطية بعض الموضوعات خوفًا من العقاب.
▪︎ بين السجن والموت
يواجه الصحفيون في مناطق الصراع خطرًا كبيرًا، حيث شهدت وفيات الصحفيين في عام 2024 زيادة ملحوظة، مع ارتفاع الأعداد بشكل مستمر منذ عام 2021، وفقًا لبيانات لجنة حماية الصحفيين.
بدورها، قالت "إينا بافسيك"، مسؤولة المناصرة في المركز الأوروبي لحرية الصحافة والإعلام: "في العام الماضي، زادت عمليات القتل بنسبة 22% مقارنة بعام 2023، وكان ذلك بسبب الحرب في قطاع غزة، حيث قُتل 85 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا في 2024." وأوضحت أن "الجيش الإسرائيلي كان مسؤولًا عن معظم هذه الوفيات، وكان معظم القتلى من الفلسطينيين." في مناطق الصراع، يُعتبر الصحفيون مدنيين ولا يجب أن يكونوا أهدافًا. وأضافت بافسيك: "من الضروري أن يدرك المتورطون في الصراع ذلك، وأن تتخذ الدول التي تدعم حرية الصحافة خطوات لمحاسبة الدول التي تفشل في حماية الصحفيين." كما أظهرت البيانات زيادة في حالات سجن الصحفيين منذ عام 2000. ووجدت لجنة حماية الصحفيين أنه في بداية ديسمبر 2024 كان هناك 361 صحفيًا مسجونًا. أكثر من نصف هؤلاء الصحفيين موجودون في الصين وإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ودول أخرى.

▪︎ النموذج الآخر
تزايدت الهجمات عبر الإنترنت، مثل حملات التشهير والتزييف، خاصة ضد الصحفيات، حيث يتعرضن لتهديدات بالكراهية تستهدفهن وأفراد عائلاتهن. وفي الولايات المتحدة، أظهرت البيانات أن عام 2024 شهد ثالث أعلى عدد من الهجمات على الصحافة منذ عام 2017، مما يعكس تصاعد التحديات التي تواجه الإعلام في مختلف أنحاء العالم. وتدهورت حماية الصحفيين في العالم، وزادت التهديدات التي تجبرهم على ممارسة الرقابة الذاتية أو تجنب كتابة تقارير مهمة تخدم المجتمع. تؤكد بافسيك في تقريرها:" أن الهجمات على الصحفيين وحملات التشهير ضدهم خلقت جوًا من الخوف، وأصبح عدد الصحفيين الذين يعملون بشكل مستقل أقل بكثير. هذا الوضع يجعل من الصعب ملاحظة أي تحسن في حرية الصحافة. وبسبب التهديدات، يلجأ الصحفيون إلى تجنب بعض الموضوعات أو ممارسة الرقابة الذاتية". وعن سبل حماية الصحفيين، ترى بافسيك أن الأنظمة الاستبدادية تقمع الصحافة الحرة لتقييد تدفق المعلومات. وأضافت أن "حرية المعلومات، التي تشمل حرية الصحافة، هي أساس حرياتنا وحريات الجميع." ومن أجل حماية حرية الصحافة، قد نحتاج إلى ضمانات قانونية وتنظيمية. على سبيل المثال، قدم الاتحاد الأوروبي قانون حرية الإعلام الأوروبي كخطوة لحماية حقوق الإعلام. وتواجه حرية الصحافة على الصعيد العالمي تهديدات من السلطات السياسية التي يُفترض أن تكون هي الجهة المعنية بصونها وضمانها. ففي نسخة 2024 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي أعدّته "مراسلون بلا حدود"، تراجع المؤشر السياسي أكثر من أي من المؤشرات الأخرى التي تقوم عليها منهجية تقييم البلدان، حيث انخفض 7.6 نقاط. وهناك عدد متزايد من الحكومات والسلطات السياسية التي لا تؤدي دورها المتمثل في توفير الإطار المناسب لضمان ممارسة الصحافة وحق المواطنين في الوصول إلى معلومات موثوقة ومستقلة ومتعددة، حيث تلاحظ "مراسلون بلا حدود" تدهورًا مقلقًا في دعم واحترام استقلالية وسائل الإعلام، بينما يقابل ذلك ارتفاع في الضغوط التي تمارسها الدول أو الجهات السياسية الفاعلة الأخرى على مهنة الصحافة وأهلها. وتُحذِّر "مراسلون بلا حدود" من ظاهرة باتت منتشرة على نطاق واسع، وتتمثل في تراجع المؤشر السياسي، الذي يُعد من المؤشرات المعتمدة في التقييم، وهي ظاهرة سلط عليها الضوء نسخة 2024 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة. ذلك أن الدول والقوى السياسية، بغض النظر عن أطيافها وتوجهاتها، أصبحت تتلكأ عن الاضطلاع بدورها المتمثل في حماية حرية الصحافة، علماً أن هذا التنصل من المسؤولية تصاحبه في بعض الأحيان نزعة تُشكِّك في دور الصحفيين، بل ويصل الأمر أحيانًا إلى حد استخدام وسائل الإعلام كأدوات في حملات التنمر أو التضليل، رغم أن الصحافة الجديرة بهذا الاسم تُعد شرطًا أساسيًا من شروط أي نظام ديمقراطي يراعي الحريات السياسية.

▪︎ إرادة دولية
تشدد مديرة التحرير بمنظمة "مراسلون بلا حدود"، بوكانديه، على وضوح الإرادة السياسية من جانب المجتمع الدولي لإنفاذ المبادئ المتعلقة بحماية الصحفيين، ولا سيما في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2222. مثال ذلك أن الحرب على غزة اتَّسمت بعدد قياسي من الانتهاكات ضد الصحفيين ووسائل الإعلام منذ أكتوبر تشرين الأول 2023، حيث قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 100 صحفي فلسطيني، علماً أن 22 منهم على الأقل لقوا حتفهم في إطار قيامهم بعملهم. ففي ظل الاحتلال الإسرائيلي وما يصاحبه من قصف وعمليات عسكرية، أصبحت فلسطين (المرتبة 157) ضمن قائمة الدول العشر الأخيرة في العالم على مستوى أمن الصحفيين وسلامتهم. من جهة أخرى، يقول "جون ستيل"، الباحث في الصحافة بجامعة ديربي في المملكة المتحدة: "التنظيم الذاتي، حين يلتزم الصحفيون والشركات الإعلامية بالمبادئ الصحفية المتفق عليها والسلوكيات الأخلاقية، يمكن أن يساعد أيضًا في استعادة الثقة في هذه المؤسسة. فالجمهور الذي يرى قيمة في وجود إعلام مستقل وحُر يمكن أن يضيف طبقة من الحماية لأولئك العاملين في الميدان." ويعتقد أنه لا توجد حرية بدون بعض الشروط، سواء كانت نظرية أو فلسفية أو تاريخية، مضيفًا: "من المهم أن تلتزم الصحافة ببعض المعايير لكي تكون فعالة ولها معنى حقيقي. ولهذا السبب يتحدث الصحفيون عن الأخلاقيات والمدونات الأخلاقية والالتزام بالمعايير، لأنها تمنحهم الفرصة ليتم تقييمهم بشكل عادل ومتساوٍ."

▪︎ قيود صارمة
عادة ما تشهد الفترات الانتخابية أعمال عنف ضد الصحفيين، مما يجعل أصحاب المصالح الانتخابية يواصلون تشديد قبضتهم على وسائل الإعلام من جهة، ويعيقون عمل الصحفيين من جهة أخرى. كما تثار العديد من المواقف بشأن ترسانة المعلومات التضليلية المسخَّرة لأغراض سياسية، ولا سيما في ظل تنامي ظاهرة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي (Deepfake) في سياق يفتقر إلى التنظيم، حيث أصبحت تقنية التزييف العميق تلعب دورًا بارزًا في التأثير حتى على مسار الانتخابات، كما اتَّضح بجلاء من التزييف الصوتي. إلى ذلك، تعمل العديد من السلطات القائمة على فرض سيطرة أكبر على منصات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت عموماً، من خلال تقييد الوصول إليها أو حجب بعض الحسابات أو حذف رسائل إخبارية، علماً أن السجن عادة ما يكون مصير الصحفيين الذين يعبِّرون عن آرائهم على منصات التواصل. فإن حكوماتها تواصل فرض قيود صارمة على القنوات الإخبارية، وذلك من خلال تطبيق سياسات قمعية تقوم على الرقابة والتجسس، وذلك للسيطرة على المحتوى المتداول عبر الإنترنت والحد من انتشار المعلومات التي تعتبرها حساسة أو منافية للخط الرسمي الذي يرسمه الحزب الحاكم. وقد أصبحت الكثير من القوى السياسية ترعى بث حملات التضليل بانتظام، بل وتحرض عليها بشكل متزايد. ففي 138 بلدًا، أي أكثر من ثلثي البلدان التي شملها الترتيب، أشار أغلب المشاركين في الاستبيان إلى ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليلية واسعة النطاق أو في عمليات دعائية كبيرة ببلدانهم، موضحين أن ذلك يتم بشكل منتظم عموماً، وعلى نحو "منهجي" في 31 دولة على وجه التحديد.
في مختلف أنحاء العالم، تغذي بعض الأحزاب السياسية مناخًا يتسم بالكراهية ضد الصحفيين وعدم الثقة بهم، وذلك من خلال التحريض عليهم أو تهديدهم أو تشويه سمعتهم، بينما تميل الدوائر السياسية في بعض البلدان إلى تشديد الخناق على المنظومة الإعلامية، من خلال إحكام السيطرة على وسائل الإعلام العامة أو تشجيع رجال أعمال مقربين من تلك الأحزاب على شراء أسهم المنابر الإعلامية الخاصة.
▪︎ المناطق الأخطر
تعد منطقة المغرب العربي – الشرق الأوسط هي الأخطر في نسخة 2024 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، وتليها منطقة آسيا والمحيط الهادي حيث تختنق الصحافة تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية. أما في أفريقيا، فرغم أن حرية الصحافة توجد في وضع "خطير للغاية" بأقل من 10% من دول هذه المنطقة، إلا أن الوضع "صعب" في نصف بلدانها تقريبًا. ويُعتبر الوضع "خطيرًا للغاية" في قرابة نصف بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن المتوقع أن تشهد معظم مناطق العالم ضغوطًا شديدة على الصحفيين في ظل مختلف الاستحقاقات السياسية التي تلوح في الأفق، لاسيما في وقت أصبحت وسائل الإعلام تعمل في بيئة تسودها الفوضى العارمة ويغيب فيها القانون.









