
الرواية نشيد هشاشتنا البشرية ... قراءة في روايات (هان كانغ) الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2024

د. سعيد عبد الهادي المرهج
5/3/2025، 12:05:49 م
"إن الحدود الضرورية الفاصلة بين الحرية والسلطة تتمثل في أن الحرية غير ممكنة من دون السلطة، (وإلا حلّت الفوضى)، والسلطة غير ممكنة من دون الحرية، (وإلا ساد الطغيان)"
ستيفان زيفايغ
▪︎ المقدمة: في التعاطف
لا أدري ما الذي جذبني للبدء بقراءة روايتها (أفعال بشرية)! لم أتخط إلا بضع صفحات حتى تركت الأسماء الكورية لشخصياتها خلف عيني ملتهما أحداث خرابنا الإنساني، دفعتني نحو روايتها الأخرى (النباتية) التي كانت نشيد جمال منقطع النظير، قصيدة ملحمية بطلها الإنسان المهشم، لا الإنسان الفائق، ثم روايتها (الكتاب الأبيض)، بل لنقل قصيدتها التي تجرّدت من الشخصيات إلا شخصية الساردة، وأختها الرضيعة المتوفاة، وكان الموت جذرها الذي نبتت فيه، وولدت منه. سأقف عند هاتين الروايتين لاحقا، بعد أن أكمل قراءة روايتها (دروس إغريقية). واتطلع لقراءة روايتها (نحن لا نفترق) التي عادت بها من حيث بدأت مع (أفعال بشرية) لكنها هذه المرّة تغوص في أعماق انتفاضة (جيجو) بين عامي 1984 و1949، وشرارة تقسيم شبه الجزيرة الكورية بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واقتسم المنتصرون كرتنا الأرضية، وإذا ما استعدنا مقولة كروتشه التي ذهب فيها إلى الروح لا تُبثّ في وقائع الماضي إلا في حالة توحدها باهتمام الحاضر. أما محط الدرس هنا: روايتها (أفعال بشرية) فقد كنت ، أقرأ فيها خوف الشيوخ، وجبنهم، وشجاعة الشباب واندفاعهم.. عقلانية الشيوخ وعاطفية الشباب، تلك التي لمسناها في انتفاضة تشرين، شباب الناصرية هم من جرّ شيوخها وأعطاهم جرعة شجاعة، فكان ما كان في بقية المحافظات العراقية، وكان الطلبة هم القادة وبعض من اساتذتهم المنظرين، وكان قمع الأحزاب والمليشيات المتحكمة في السلطة والمال في العراق هو ذاته قمع البعث الصدامي لثوار انتفاضة آذار في العام ١٩٩١، مع ثبات الاتهام (العمالة) وتغيّر جهته من إيران إلى أميركا، إذ في اللاحقة أصبح الولاء لإيران، عند أحزاب السلطة بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، مقياسا للوطنية! والاتهام في هذه الرواية بأنهم من الشيوعيين (الملاعين- الرواية: 224)، بل إنّ المصطلحات (الشتائم) نفسها استعملتها: "وفقًا لهم فإنَّه حتى الجرحى الراقدين على أسرّة المستشفى (غوغاء خطرين) يجب إسكاتهم" (الرواية: 71).

وجرى قمع انتفاضتي 1979، ومن قبلها 1977، في العراق بالمنطق ذاته برغم أن ضحية الأمس هو جلاد اليوم. وهو أمر يؤكد أن ليس من عبرة من التاريخ، بل العبرة الوحيدة تصنعها الشعوب بدفاعها الثابت عن ديمقراطية حقة، لا صورية تكرّس ديكتاتوريات فرعية كما يجري، منذ عقدين في بلدنا. ليست كوريا الجنوبية العراق، وليست اليابان مصر، لكننا بشر تحركنا العواطف ذاتها، وتسيرنا العقول ذاتها، فلماذا نجح الآسيويون وأخفقنا، برغم ما قدّمناه من تضحيات؟ ولماذا أصبحت تضحياتنا وسادة للفاسدين؟ بل لماذا من كان يتصدر في الدفاع أمس أصبح يتصدّر في الفساد اليوم؟ هي أسئلتنا التي لا نملّ من تكرارها، أسئلتنا التي بعثتها في نفسي رواية أفعال بشرية وهي تعيد صوغ ثورة الطلبة في كوريا محيلة إياها إلى لوحة فنية مبهرة، لوحة جمعت الفورة والاندفاع والتحمس، المرتسم على وجوه الطلبة بحزن الأمهات الثكالى، فكانت مصهرا للعواطف. وكنت أقرأوها وأردد مع نفسي (لكن حمزة لا بواكي له) ثوراتنا وانتفاضاتنا بقيت من دون بواكي، دماء لطخت وجه وطن يحتضر، ودموع لم تنقطع منذ العام ١٩٥٨ إلى يومنا هذا، كل هذا الفقد والحزن لم نجده مجسدا فنيا بما يناسب حجمه، وما كُتب، وهو أقل من القليل، لا يوازي نحيب ثكلى وهي تحتضن قبر وليدها الشاب الذي قتل برصاص الوطن من أجل الوطن فنساه الوطن. وليس غريبا عنّا تلك المرأة التي التفت بقبر ابنها أحد عشر عاما، وربما مازالت، إن كانت حية، حتى يومنا هذا، بعد أن قتلته بنادق الطائفيين في العام ٢٠٠٧. فسمي شارع في مقبرة وادي السلام باسمها. لا سلام في بلدنا إلا في وادي السلام، فهل من بؤس أكبر مما عشناه؟
هو الأمر ذاته مع معظم الأمهات في أرضنا الضيقة، فالأم في الرواية تصرخ بهم: "لن أتزحزح سنتيمترًا واحدًا عن ولدي سأموت هنا إلى جانب صغيري" (الرواية: 71)، والأخرى لا تصدق أنه قُتل: "أمكَ لا تزال مؤمنة بأن جونغ داي قد أُخِذ ليتلقى العلاج في مستشفى ما، وأن اّلسبب الوحيد لعدم اتصاله بك حتى الآن هو أنه لم يستعد وعيه بعد" (الرواية: ٥١). لم يقتصر النواح والبكاء على الثكالى فحسب، بل أرواح الموتى نفسها صنعت مأتمها الخاص: "هتف الرجل الممسك بالميكروفون عند المنصة: اجلسوا جميعًا فلم تنتهِ مراسم التأبين بعد. هذا المطر دموعٌ تذرفها أرواح الراحلين" (الرواية: ٤١). ويبدو أن أرواح (راحلينا) في عراقنا المكلوم جفت مآقيها وهي ترتقي وجلةً نحو سمائنا الخفيضة!
"دوّى النشيد الوطني في المكان كصدًى لا نهائي، مقطع معيّن يتداخل مع آخر في الخلفيّة الثابتة لصوت النحيب. استمعتَ، وأنت تكتم أنفاسك للتنافر الخفيّ الذي يصنعه تصادم المقاطع ذاك. كأنما هذا الإنصات قد يساعدك أخيرًا على فهم ما هو (الوطن) حقاًّ" (الرواية: ٣٠- ٣١).
▪︎ الرواية نشيد هشاشتنا
"بعد موتكَ، لم أستطع إقامة جنازة، وهكذا باتت حياتي كلهُا جنازةً... بعد موتك لم أستطع إقامة جنازة، فباتت تلك العيون التي أبصرتك يومًا ضريحًا... وباتت تلك الآذان التي استمعت إلى صوتك يومًا ضريحًا، وباتت تلك الرئات التي استنشقت نَفَسَك يومًا ضريحًا."
هوان كانغ: أفعال بشرية: 172- 174.
شهدت الرواية تحولات كبيرة، بعضها مرتبط ببنيتها وشكلها، والآخر بموضوعها وثيمتها، فمنذ القرن السابع عشر، القرن الذي كتب فيه (ميغيل دي ثيربانتس 1547- 1616) روايته الشهيرة (دون كيخوته دي لا مانتشا) والرواية يتسع حضورها، وتأثيرها عالميا، ولا شك أن رواية القرن التاسع عشر الأوربية طبعت الرواية العالمية بطابعها، ولم يخرج عن تأثيرها أدباء الشرق، والمستعمرات الجديدة، وربما فوز الروائية الكورية الجنوبية (هان كانغ) بجائزة نوبل للآداب للعام السابق (2024) يؤكد ما أشرنا إليه، من تأثير الرواية الأوربية، ومن صعود الرواية وتأثيرها في المجال العام. وربما الناظر في قائمة الفائزين بجائزة نوبل للأدب سيجد مصداقا دقيقا لما نقوله؛ فمن 120 من مبدعي الأدب الحاصلين على جائزة نوبل منذ انطلاقها في العام 1901، حصل أكثر من ستين روائيا عليها، فيما لم يتخط عدد الشعراء الثلاثين شاعرا. وهو أمر يؤكد أن الرواية (ملحمة عصرنا) بحق. (هان كانغ) المولودة في سيول في العام 1970، ورثت عن والدها الروائي (هان سونغ وون) حبها للأدب وشغفها بالرواية. والتزامها بالقضايا الإنسانية، بدأت حياتها الأدبية (شاعرة) نشرت خمس قصائد في العام 1993، ثم كتبت القصة القصيرة، وفازت قصتها القصيرة (المرساة الحمراء) في مسابقة أدبية أجرتها صحيفة (سول شين مون) اليومية. وفي العام 1995 أصدرت مجموعتها القصصية الأُولى (حب يوسو) واستطاعت أن تثير "الانتباه إليها لتصويرها المأساة الإنسانية بلغة شعرية وتركيزها بشكل بارع على ضوء خافت يمكن الوصول إليه عند هاوية اليأس فقط". وتوالت أعمالها الروائية بعد ذلك، مثلما توالى حصولها على الجوائز، بعد ترجمة أعمالها إلى اللغات الأوربية. انشغلت هان بقضايا بلدها، مثلما شغلها تاريخه أيضا، وكانت واحدة من أكثر من عشرة آلاف شخصية ثقافية في كوريا الجنوبية أُدرجت في (قائمة سوداء) لانتقادها الرئيسة (بارك غن هيه) التي تولت السلطة في الأعوام 2013- 2017. لم تحتفل بفوزها بجائزة نوبل في ظلّ حروب تطحن البشر (غزة، وأوكرانيا، والسودان...) فاحتفلت الرواية بها، إذ بتتويجها أكد هذا الفن تصدره، وبقاءه متربعا عرش الآداب.. هان كانغ التي قرأنا روايتها (أفعال بشرية) نحن العراقيين، وكأننا نقرأ شهادات عمّا حصل في احتجاجات تشرين 2019، في بغداد، وكان رأس الحربة فيها الطلبة أيضا، من قتل للمتظاهرين، وتعقّب ومطاردة للناشطين فيها، وتشويه كلي لها، بعدّها فعلا مخابراتيا غايته لا إسقاط النظام الحاكم الفاسد، بل محاربة الدين الإسلامي، والوطنية العراقية. وربما سيقرأها الفرنسي مستذكرا احتجاجات الطلبة 1968، والمصري احتجاجات الطلبة في العام 1977، والإيراني مستذكرا احتجاجات الطلبة في العام 1999... إلخ، كل سيقرأ فيها شهادة مأساوية عن عالمه الوطني، وهذا ما يشكل عظمة أي نص أدبي. في حوار بين شخصيتين فيها: (دونغ هو) وأون سوك تلخص لنا الرواية ما نعيشه من فصام في ظل الأنظمة الدكتاتورية:

"العلم الوطني يُفرد فوق كل تابوت، ويُربط بسلسلة في مكانه بإحكام. لماذا تنشدون النشيد الوطني من أجل أشخاص قتلهم الجيش؟ "لماذا نُغطي التوابيت بالتايجوكجي (علم كوريا الجنوبية)؟ كما لو لم يكن الوطن نُفسُه من قتلهم. حين صرَّحت بحذر عن هذه الأفكار، جحظت عينا أون سوك المستديرتان:
"لكن جنرالات الجيش هم المتمرِّدون حقاًّ. هم من استولوا على السلطة بشكل غير قانوني. لا بدَّ أنك رأيت ذلك أيضاً. مواطنون يُضربون ويُسحقون في وضح النهار، بل ويُطلق عليهم الرصاص. الجنود العاديون كانوا ينفِّذون أوامر قادتهم. كيف تسمي هؤلاء(الوطن)؟". إنها الطاعة العمياء، إذ لم يستطع أفراد الجيش والسلطة فهم أن ما يجري غايته تحريرهم أنفسهم من وطأة الدكتاتورية. وإذا كانت الديكتاتورية في كوريا الشمالية لم تجد في العنف وسيلة مثلى لاعتماده في علاقاتها الخارجية، فإنها وجدته الأمثل في شؤونها الداخلية، وهو أمر أنموذجه الأبرز هو العراق. فـ(الحوار الوطني) الذي يدور بين القاتل والمقتول في بلداننا! صورةٌ لبؤس مجتمعاتنا، ولخراب اجتماعي تولّد عن تسلّط، وظّف الدين والوطن والتاريخ الشعبي لبقائه ممسكا بعرش الدولة، يكتب أحد شعراء السلطة في العراق: "إذا قال صدام قال العراق"، ويجيبه صاحبه: فإن قلت يا صدام ناديت امة... لأن المنادى زهوها وفخارها. هكذا اختُزِل البلد بشخص رئيس دموي، وهو أمر لم يتخلص منه من استلم السلطة بعد الاحتلال الأميركي، إذ بقينا ندور بين حاكم يلخّص تاريخ البلد بوجوده، ومحكوم يسعى للتخلص من عبوديته بالتماهي بالحاكم أو الاحتجاج عليه، ونهاية الاحتجاج هي، هي، القتل، السجن، الهروب (النفي)... لنستعيدها (فنا) يحاول الإمساك بالماضي وتخليده، وهذا ما فعلته (هان كانغ) في هذه الرواية التي كان عنوانها في أصلها الكوري (الصبي يأتي) والصبي ليس رمزا للطفل المقتول (دونغ هو) على أيدي قوات النظام فحسب، بل رمز للماضي بكل أحداثه المؤلمة، فيما الفعل (يأتي) يأخذ معنى التكشّف والظهور والقيام في اللغة الكورية. كأنما أرادت استعادة حياة الصبي الذي قُتل اثناء انتفاضة (غوانغجو). التي ولدت من المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، وعلى رأسهم زعيم المعارضة (كيم داي جونغ 1924- 2005)، الذي استحضرته الرواية بشخصية جونغ داي (الروح) شقيق الفتاة (جونغ ماي) المستأجرين بمنزل الصبي (دونغ هو)، وهذا الثلاثي الرئيس في الرواية. يجتمع في هذه الرواية البعد السيري، ووجهات النظر المتعددة، إذ تتحرك الرواية بين زوايا نظر مختلفة، فيما صوت السارد يبرز عبر فعل المخاطبة مرة، فهو يتحدث، ويحاور، ويصف مخاطبا شخصياته: "تهزّ رأسك محاولًا التخلصّ من هذه الذكرى. الغضب الذي ينبض به صوت أخيك" (الرواية:13). فيما يبرز الجانب السيري، ويتضح عند بروز الأصوات الأخرى: "أريد تحرير تلك القوّة الكامنة النقيّة، قوة رفيعة ومشدودة مثل شبكة العنكبوت، تتمدّد وتنكمش داخل كتلة لحم متعفنّ. أردت أن أكون قادرًا على الطيران أينما كانوا وأن أسألهم لماذا قتلوني؟ لماذا قتلوا أختي؟ وماذا فعلوا بها؟" (الرواية: 90). وقولها محددة عمرها: "كنتُ في التاسعة وقت انتفاضة غوانغجو". (الرواية: 320).) أو قولها، موضحة سطوة المجزرة على ذاكرتها: "قابلتُ بالصدفة ناقدًا وبّخني بمزاحٍ على عدم إرسالي نسخة من مجموعتي القصصية إليه. لم أستوعب أي شيء. خاصّة مع مناظر كل الذين ماتوا العالقة في ذاكرتي" (الرواية: 336). وهذا ما نتلمسه عندما نتصفح فصولها، ففي الفصل الأول يُروى بضمير المخاطب، تضطلع فيه (الروح)- روح جونغ داي- بما تمتلكه من قدرة على استغوار مشاعر (دونغ هو) وأفعاله، بوصف العالم المحيط به، فضلا عن تفاصيل ما يجري. فيما ينتقل الفصل الثاني إلى ضمير المتكلم، فتبدأ الروح- روح جونغ داي- بوصف ما جرى ويجري لها: "تكوَّمت أجسادنا فوق بعضها البعض على شكل صليبٍ. ثمة جثةُ رجلٍ مُلقاة فوق بطني بزاوية قائمة... كنت قادرًا على رؤية كل هذا لأني كنت لا أزال عالقًا داخل جسدي الميت" (الرواية: 81- 82). فهو هنا يصف لحظة رمي أجساد المنتفضين في حفرة للتخلص منها: "لاحظتُ الرعشة التي سرت في جسدك- يا دونغ هو- حينما وقعت عيناك على الجثتين. أغلقت عينيك بشدّة واهتزّت رموشك باهتياج. قبضتُ على يدك، وقدتك إلى الأمام نحو المقدِّمة بينما تمتمتَ إلى نفسك غير مصدق: جنودنا يطلقون الرصاص. يوجّهون طلقاتهم إلينا!" (الرواية: 102) أما هنا فيصف حال الصبي الذي اصحبه معه إلى الساحة الرئيسة، الصبي الذي لن تشفع له طفولته أمام فوهات البنادق: "كانت تلك هي اللحظة التي مُتَّ فيها، يا دونغ هو. لم أعرف أين. فقط علمت كنه تلك اللحظة: لحظة موتك" (الرواية: 110). أما الفصل الثالث فيتسلم فيه الراوي العليم زمام المبادرة: "في الساعة الرابعة عصرًا من بعد ظهيرة يوم أربعاء، تلقتّ المحرِّرة كيم أون سوك سبعَ صفعاتٍ على خدِها الأيمن" (الرواية: 111). سيوزع السارد متن هذا الفصل بين الصفعات السبع التي تلقتها أون سوك أثناء التحقيق معها في قسم الشرطة، مستغلا (تيار الوعي) الاستغلال الأمثل وهو يتتبع يوميات أون سوك، فكل صفعة يرتسم معها فضاؤها الخاص المشكل من بعدين: الحاضر بكل أزماته، والماضي بكل ما يحمله من ثقل بوصفه المشكّل الأساس لما هي فيه: "(فلتسقطوا مع السفاّح تشون دو- هوان) شعرت كأن تّلك الكلمات منحوتة على صدرها، وهي تتأمل الآن صورة الرئيس تشون دو- هوان المعلقّة على الجدار الجصيّ. تساءلت: كيف يمكن لوجه أن يخفي بخبث شديد الحقيقة المستترة وراءه؟ كيف لا يُدمغ وجهه بحبر لا يمَّحي بكل تلك الغلظة والقسوة والإجرام الكامنة بداخله؟" (الرواية: 131). بحديثها هذا لم تدرك إن العدوانية متأصلة فينا، كما سبق لفرويد أن أوضحه، وإن الإجرام ليس طارئا علينا: "أنّ الإجرام ليس شذوذا... أن أسوأ أنواع الجرائم لا يرتكبها الحمقى والأغبياء، بل يرتكبها المتحضرون الأذكياء باتخاذهم قرارات يوفرون لها المبررات والدوافع الكافية"، هذا فضلا عمّا تبيحه العقلية الشرقية للمستبد، إذ سبق أن حدّثنا (هيغل) بأنّ المبدأ الأقرب المميز للعالم الشرقي هو جوهرية الأخلاق، ومن ثمّ فالقوانين لا تمارس إلا على نحو خارجي، فهي قهرية، هذه القوانين القهرية في مجتمعاتنا هي من تسمح بصعود الطغاة، وطغاتنا في الشرق، في العصور الحديثة، معظمهم من العسكر، لقد اعتادوا أن يحملوا وجهين، وجه العبد المطيع أثناء تدرجه أمام من هو أعلى رتبة، ووجه السيد المستبد مع الرتب التي من دونه، ومن ثمّ حين يتسلّط يحمل معه استخفافه بقيم الخير والحق، كما ذهب إلى ذلك (نيتشه). لذا من الطبيعي أن صوره المعلقة خير تعبير عن هذا الازدواج. كانت تنظر نحو صورة زعيم الانقلاب، وهي تتلقى صفعات الإهانة، كانت اليد التي تنزل على خدها تترك آثار إذلالها في روحها: "مندهشة، فركت عينيها بقوّة. كانت تبكي. لقد تسمَّرت في مكانها طوال تلقيها الصفعات السبع من دون أن تذرف عيناها دمعة واحدة" (الرواية: ١٤٠). وكأن يد الديكتاتور امتدت من بين بروازها لتنتهكها، هكذا يختلط الحاضر بالماضي، بكاؤها الآن بسبب ما تختزنه روحها من إهانة وإذلال.

أن تهان لا لشيء إلا لكونها تطالب بالعدالة الاجتماعية لمجتمعها، له هو أيضا! وليس التعذيب والقمع إلا الوجه المادي لعنف الديكتاتوريات، أما العنف المعنوي فيبدأ من الإذلال العام، وينتهي بتقنين المعرفة بما يتناسب وسلطته، فتختلط المعرفة بالإيهام، الإيهام الجماعي، لذا فإن (الأمن الثقافي) جزء رئيس من أمن الديكتاتور، وهذا ما تخبرنا به، وهي تتحدث عن الرقابة على النشر، لكون (أون سوك) تعمل في دار نشر: "كان انطباعها المبدئي أن المسودة كأنما قد ألُقيت في نارٍ مستعرة حتى اسودَّت أوراقها ولم تعد سوى كتلة متفحِّمة" (الرواية: 133). هكذا تسلمت المخطوطة من الرقيب!: "هذه الصفحات المطموسة تمامًا جعلت المخطوطة تبدو كحطام سفينة مشبع بالماء جرفه الموج إلى الشاطئ" (الرواية: ١٣٤). والرقابة على المطبوعات أمر تميّز به عالمنا الشرقي عموما، وتفنن فيه بعد أن تعرّف عليه ممارسة في الغرب، وتأصيلا في تاريخنا العميق في غوره. بعد ما تعرضت له من إذلال وإهانة لم تعد تستطيع أن تجد معنى حقيقيا للإنسانية بعيد عن العنف، إنها حرب بين كل إنسان وكل إنسان، كما عبر عنه هوبز: "ما هي الإنسانية؟! ماذا نفعل لنحافظ على الإنسانية بحيث تحمل مدلولًا معينًا وليس آخرَ؟" (الرواية: 164). هذا السؤال أثارته ممارسة الجند والشرطة، حماة الديكتاتور، بل عصابته، كما قال الكواكبي من قبل، وهؤلاء يرتبط لديهم الجهل بالطاعة، الطاعة المفرطة للحاكم، والطاعة السبب الرئيس في انتشار العنف في القرن العشرين: "عندما تفكّر في التاريخ الطويل والكئيب للجنس البشري، ستجد المزيد من الجرائم الوحشية التي تمّ ارتكابها باسم الطاعة أكثر من الجرائم التي ارتكبت، في أي وقت مضى، باسم التمرد". لقد استعاد الديكتاتور الجمهوري خصائص الديكتاتورية الملكيّة كافة، فلم يختلف عنه إلا في المسميات، وإذا كان الملك له أجساد ثلاثة، بحسب فاران واحد فيزيائي، والآخر قانوني- سياسي تجسده الدولة، والثالث سيميائي- قدسي. فإنه يستمّد تسلطه المرتبط بالطاعة من جسده القدسي لكونه المنسّق لعمليات التبادل بين الجسدين التاريخي والسياسي، وهو المشكّل لصورة الملك (الديكتاتور). الديكتاتور رئيس في (ثياب الامبراطور) تزداد قوته كلما ازددنا خنوعا، وكما قال دو لابويسي من قبل: "إن الشعب هو الذي يسترق نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده". وهذا ما سعى الشعب الكوري الجنوبي إلى تخطيه بمواصلة رفض الاستباد. أما الفصل الرابع فيعود فيه إلى ضمير المتكلم راويا (هيونغ) حكايته، مسلطا فيها الضوء على السجون والمعتقلات والتعذيب الذي مورس على من اتهم بالمشاركة بالانتفاضة: "العملية برمتها مصُمَّمة لإجباري على إدراك حقيقة واحدة بسيطة: "إن جسدي لم يعد ملكي. إن حّياتي قد سُلبِت تمامًا من بين يديّ، وإن الشيء الوحيد المسموح لي بفعله هو أن أتألمّ" (الرواية: 180- 181). ويستغل تقنية الاستباق ليعلن لنا خبر وفاة (كيم جين سو)، أحد أبرز المشاركين في الانتفاضة (ص83). وإعلان موته بيان لحجم الخراب الذي أحاط بالمنتفضين. فمنهم من قتل ومنهم من سُحقت روحه، مع من خسره من رفاقه، وما مورس عليه من تعذيب وإذلال لم يستطع أن يعيش سويا، لم تعد حياة ما قبل الثورة هي ذاتها حياته ما بعدها: "المدعي العام يقول إن يّونغ شاي حاول قطع شرايينه ست مرات في العشر سنوات الأخيرة، وأنه يتناول المنوِّمات ويثمل كل ليلة كي يتمكّن من النوم" (الرواية: 218). إذا كان الصبي الأول (دونغ هو) قتلته أسلحة الجيش، فالصبي الذي بقي حيّا قتلته ذاكرته، فانتهى الأمر به إلى مصحة نفسية. هذا ما يبقى من المنتفضين، وهذا ما عشناه في بلدنا، وما زلنا أكوام أجساد تحركها أزماتها النفسية الخانقة، وهو ما وصفه (كيم جين سو) بأدق وصف بقوله: "حين أتأمّل حياة ذلك الفتى، أتساءل ما كنه هذا الشيء الذي نسمّيه روحًا؟ مجرد فكرة لا أساس لها؟ أم شيء لا وجود ماديًّا له؟ أم إن اّلروح أشبه بنوع معيّن من الزجاج. زجاج شفاّف وهشَّ، أليس كذلك؟ تلك هي الصفات الأساسية للزجاج. ولهذا علينا أن نتعامل مع كل ما هو مصنوع من الزجاج بحرص. فلو تهشّم أو تشققّ أو انكسر، بات عديم الفائدة، صحيح؟ ليس أمامك حينها سوى التخلصّ منه" (الرواية: 219). جين سو الذي انتحر تاركا رسالة انتحار وصورة تجمعه مع رفاقه الذين قتلتهم بنادق الجيش، لم يستطع أن يستمر في الحياة، لقد تهدم شيئا فشيئا وصولا للانتحار. تلك كانت حياة ما بعد الثورة. لقد حطم قمع الانتفاضة أرواحهم، مبرزا هشاشتها التي اختفت أيام الانتفاضة بتوحد قلوب المنتفضين: "حدث ذلك في غوانغجو كما حدث في جزيرة جيجو، وفي كوانتونغ، ونانجينغ، وفي البوسنة، وفي كل أنحاء القارة الأمريكية عندما كان لا يزال يُطلق عليها اسم العالم الجديد، باستخدام عنف يٍكاد يكون متطابقًا كما لو أنه جزءٌ لا يتجزأ من شيفرتنا الجينية" (الرواية: 226- 227). وهو تساؤل لا يخرج عن النزعة الهوبزية بعد العنف وجودا طبيعيا في الإنسان. يفتتح السارد الفصل الخامس بالعودة إلى ضمير المخاطب، ثم ضمير المتكلم، والمتكلم هنا هو (ليم سيون جو) التي عاشت الانتفاضة مشاركة (أون سوك) العمل التطوعي في مبنى المقاطعة بالحفاظ على جثث المنتفضين وأرشفتها لتسهيل تعرّف آهليهم عليه، وهي في هذا الفصل تدلي بشهادتها، التي لن تدلي بها لباحث يسعى لتدوين أحداث الانتفاضة بعد مرور عشرة أعوام عليها، لكنها تستعيدها بتيار الوعي، إذ تحاصرها الذكريات، فهي لا تختلف عمّن سبقها: "هل من الممكن أن أكون شاهدة على حقيقة أنني قد أصبحت أمقتُ جسمي، الكيان المادي لذاتي؟ هل من الممكن أن أكون شاهدة على أنني قد دَمرَّتُ عمدًا أي دفء أو حُبٍّ حاول أن يمنحني إياه أي إنسان، قد تكون قوَّته أكبر من قدرتي على الاحتمال، وأنني لذتُ بالفرار إلى مكان أكثر برودة، إلى مكان أكثر أمانًا. لماذا؟ فقط كي أبقى على قيد الحياة" (الرواية: 278). أما الفصل السادس فكانت أم (دونغ هو) ترويه بضمير المتكلم، تروي خوفها وقلقها، ثم موتها المعنوي بموته. إنها مرثية شعرية صوّرت لهيب الثكالى الذي لا يحرق غير أجوافهن، ولا تبرده إلا دموع تأبى الانصياع لإرادتهنّ. في (خاتمة) الرواية يبرز صوت السارد/ الساردة، وهي تستعيد أحداث العام 1980بعد مرور ثلاثة وثلاثين عاما عليها، محاولة رسم لوحة بانورمية عنها: "حام أمامي للحظة على الأرض الحمراء القانية منظر الجثامين الملفوفة في أكفان مؤقَّتة أعُدَّت بسرعة، وتوابيت من ألواح الخشب مغطاة بالتايجوكي، وأطفال ينحبون، ونساء بوجوه تخلو من أي تعبير من هول الصدمة" (الرواية: 328). لوحة بطلها الصبي دونغ هو، وساردتها الروائية ذاتها، التي أظهرت نفسها لنا في الخاتمة، كما لو أنها لم تستطع الاختباء خلف قناع السارد، فمزقته لحظة اكتماله، لتعلن بأن ما كتبته لم يكن إلا توثيقا تاريخيا للأيام العشرة التي ذُبحت خلالها مدينة غوانغجو. وصف ملحمي للمذبحة، وقصيدة رثاء لصبيّ لا يريد أن يغادر ذاكرة من بقي حياً، وسردٌ مرٌّ يتتبع انكسارات الروح، وعذاباتها بعد استباحة الأجساد، وتدنيسها، وقهرها، لقد تعافى الجسد إلا من آثار لا تُرى لكن الروح لم تستطع التعافي، ولا النسيان، بقيت تأنُّ تحت عذاباتها.
▪︎ الخاتمة
لم نتخط نيسان من العام 1991، أي بعد أحد عشر عاما من انتفاضة غوانغجو، حتى بدأت قوات النخبة (الحرس الجمهوري) باقتحام المدن. لم نعش المفارقات في الأفعال، بل بالتسميات والأفعال، فالحرس الجمهوري، لم يؤسس ليحرس الجمهورية، بل أُسّس لحماية الديكتاتور، وكان الأولى تسميته بالحرس الرئاسي، سُلّح بأفضل تسليح ليكون جاهزا، وكان جاهزا فعلا لقمع المنتفضين بأبشع ما يتخيله عقل. مرّت أربع وثلاثون سنة، هل نستطيع نسيان الإذلال الذي مورس، والاعدامات التي جرت في (الرضوانية) بعشوائية، والمقابر الجماعية التي زنّرت خصر الوطن الذبيح.. كل ما جرى في مرحلتنا تلك استطاعت هان كانغ تصويره بدقة، فالشعوب هي هي، والطغاة هم هم، ما نختلف فيه القدرة على تصوير ما حصل، ويحصل. وإذا كانت كوريا الجنوبية الآن في طليعة البلدان الصناعية، فنحن ننافس على قعر البئر تخلفا ورجعية وقطيعية، ولدها الجهل المركب الذي يتعمّق فينا كلما تقدم الزمن بنا، وهو نتيجة طبيعية لبلد لم تفارقه الحروب منذ أربعة عقود، لقد دمرّت حروب البعث الضرع وحطّمت الزرع، وخرّبت العقول. ما نحن فيه من جّهل لن يؤدي بنا إلا إلى هاوية أشد مما سبق أن مررنا به وعشناه مجبرين، أو مختارين بنتيجة غلبة الجهلاء.
قرأت رواية (أفعال بشرية) بعراقيتي، إذ وجدت فيها مأساتنا، وهذا سرّ العمل الإبداعي، سرّه يكمن في القدرة على تخطي الجغرافية، وتجاوز اللغة، وعبور الحدود القومية أو الوطنية أو الدينية. الإبداع فرادتنا الحقة بوجه التكثّر اللانهائي للجهل.
▪︎ المصادر
- الكتب :
- أصل الأخلاق وفصلها، فريدريك نيتشه، ترجمة: حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1978.
- أصول العنف (الدين، والتاريخ، والإبادة) جون دوكر، ترجمة: علي مزهر، منشورات جامعة الكوفة، النجف، ط١، 2018: 11.
- أفعال بشرية، هان كانغ، ترجمة: محمد نجيب، دار التنوير، بيروت (د. ت): 29- 30.
- التاريخ الإجرامي للجنس البشري (سيكولوجية العنف) كولن ولسون، ترجمة: رفعت السيد علي، منشورات جماعة حور، القاهرة، ط1، 2001.
- صورة الملك (صناعة اسطورة السلطة المطلقة) لوي ماران ترجمة: المصطفى صباني، منشورات نصوص، بغداد،
- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2010.
- ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، د. حسنين توفيق إبراهيم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 1999.
- العالم الشرقي، هيجل، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط3، 2007.
- العبودية المختارة، إتيان د، لابويسي، ترجمة: صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، ط1، 2016.
- عنف الديكتاتورية، ستيفان زفايغ، ترجمة: فارس يواكيم، منشورات الفرات، بيروت، ط1، 2013.
- قلق في الحضارة، سيغموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1996.
- كيف تصنع الطاعة (وجهة نظر علمية عن التسلط) ستانلي ميلجرام، ترجمة: أندي مارديني، دار نصوص، بغداد، ط1، 2022.
- اللفياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، توماس هوبز، ترجمة: ديانا حرب، وبشرى صعب، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2011.
- المواقع الألكترونية :
- انتفاضة غوانغجو، ويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7
- تشون دو هوان، ويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%B4%D9%88%D9%8
- كيم داي جونغ، ويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%85
- هان كانغ أول كورية تفوز بجائزة نوبل للآداب، موقع الجزيرة على النت: https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/10/13/








