الساعة الان

12:57 ص

logo
الإيكوميلانخوليا (Eco- Melancholy) وتجلياتها في الأدب

الإيكوميلانخوليا (Eco- Melancholy) وتجلياتها في الأدب

الإيكوميلانخوليا (Eco- Melancholy) وتجلياتها في الأدب

د. سعيد عبد الهادي المرهج

11‏/3‏/2025، 1:14:52 م

إلى روح الجمالي البيئي (آلين آرفيد كارلسون) الذي فقده المجتمع البيئي الشهر الماضي
 


▪︎ الإيكوميلانخوليا 

تغلغل الدرس البيئي في جميع مفاصل المعرفة الإنسانية، وهو تغلغل لا بدّ منه، لكن برغمه مازالت عوالمنا، الشرقية منها على وجه العموم، يخنقها التلوث، ويأكل حياتها الطبيعية الاحتباس الحراري، والتغيّر المناخي، لذا كان من الطبيعي أن يكون أدبنا أدبا يجمع بين الخوف مما سيأتي، والكآبة بفعل ما وصل إليه المجال العام والنطاق الحيوي، وهذ ما نستشعره بسيطرة الرهاب على مفاصل عديدة من علاقاتنا وحجمه:  فـ"الإيكوفوبيا والعنصرية وكراهية النساء ورهاب المثلية والتحيز ضد الأنواع الأخرى متشابكة تمامًا مع بعضها البعض ويجب في النهاية النظر إليها معًا". وهو قول سديد لـ(سيمون إستوك) ويضيف: "قراءة الإيكوفوبيا تعني تحديد الأخلاقيات العاطفية التي ينتجها النص، وتعني امتلاك الاستعداد للاستماع والتفكير ورؤية القيم المكتوبة والتي تعمل من خلال تمثيلات الطبيعة التي نتخيلها وننظّرها وننتجها". وقد كانت تجربته في دراسة المتن الشكسبيري وبيان تغلغل الإيكوفوبيا تجربة تمثّل الدليل في هذا المجال الذي أخذ بالتشعّب نتيجة حداثته من جهة، وتعدد وجهات النظر وزوايا التبئير، بحسب المجالات المتقاطعة مع المجال البيئي من جهة أخرى. فإذا كانت الايكوفوبيا تشير إلى "الرهاب غير العقلاني وغير المبرر من العالم الطبيعي، وهو موجود بطرق خفية في حياتنا اليومية"، بحسب إيسكوت، فإن ثمّة مصطلح شاركه الحضور، وكتب حوله الكثير، وهو مصطلح القلق البيئي (Eco-Anxiety) وقد أشار (باولو سيانكوني) بأن قلق التغيرات المناخية (القلق البيئي) هو خوف مزمن يبدأ بالإجهاد الخفيف ثمّ الاضطرابات السريرية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة والانتحار، يقول موضحا الأمر: "تتراوح نتائج الصحة العقلية لتغير المناخ من أعراض الإجهاد والضيق البسيطة إلى الاضطرابات السريرية، بدءًا من القلق واضطرابات النوم إلى الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والأفكار الانتحارية"، وقد نُظّم مؤتمر في لندن لمناقشة هذا الأمر في العام 2020، تحت عنوان: "الطوارئ المناخية: وجهات نظر التحليل النفسي"، مسوغا انعقاده بأنه "قد يشعر الكثير منا بالعجز والقلق والذنب والغضب والكآبة وحتى الإرهاق من التدفق المستمر للمعلومات، حيث ترتفع أعداد الناس الذين يعانون "قلق المناخ" في الوقت الحاضر وليس قلقاً من المستقبل فحسب". 

 

r0_137_5000_2962_w1200_h678_fmax.jpg


من جانب آخر ربط الأسترالي (غلن ألبرشت) بين البيئة والحنين إلى الماضي مجترحا مصطلح (الحنين البيئي) Solastalgia ، وأراد به: حنين السكان الى أراضيهم بعد اضطرارهم للنزوح عنه بفعل أنشطة بشرية أو مناخية، الذي يتجسد بشعورهم بالحزن أو القلق، ومن ثمّ يصبح خوفا مزمنا من خراب البيئة، ليكون ضائقة نفسية مرتبطة بتدهور الظروف البيئية، وقد أدرَجَ ضمنه المشاعر اللصيقة به، مثل: الخوف، والغضب، والإرهاق، والعجز، ومشاعر، الخسارة، والرهاب، واليأس، وهنا نراه يُدرج (الإيكوفوبيا) بوصفها جزءا من الحنين البيئي، وكان في العام 2003 قدّم مصطلح (الحنين إلى الوحدة) ليصطف إلى جانب مصطلحات أخر سادت عُرِفت في هذا المجال: القلق البيئي، والقلق المناخي، والصدمة البيئية، والحزن البيئي، والإجهاد البيئي. وفي السياق ذاته جاء بحث (كونسولو وإيليس) إذ اشتغلا على ما أسمياه الحزن البيئي (ecological grief) وعرّفاه بأنه: "الحزن الذي يُشعَر به فيما يتعلق بالخسائر البيئية التي تم تجربتها أو توقعها، بما في ذلك فقدان الأنواع والنظم البيئية والمناظر الطبيعية ذات المغزى بسبب التغير البيئي الحاد أو المزمن"، وقد خلصا إلى القول بأنه على الرغم من الاهتمام البحثي المتزايد، فإن الحزن المدفوع بيئيًا، أو "الحزن البيئي"، لا يزال مجالًا غير متطور للبحث. نحن نؤكد أن الحزن هو استجابة طبيعية ومشروعة للخسارة البيئية، وقد يصبح أكثر شيوعًا مع تفاقم التأثيرات المناخية. فيما استعملت الأسترالية (كاثرين سيمبسون) مصلح الرعب البيئي (horror-Eco)، موظّفة إياه بدراسة لها عن السينما تحت عنوان: الرعب البيئي الأسترالي وانتقام غايا: الحيوانات والقومية البيئية و(الطبيعة الجديدة)، فتناولت الحيوانات التي تتحول إلى حيوانات متوحشة بعد عودتها- أكبر حجما وأكثر جوعًا وغضبًا- للانتقام من البشر الذين ربما ظلموها. وقد استعانت منهجيا بإطار ما بعد الاستعمار البيئي.

 

1-sad-farmer.jpg


وربما كان ما قدمته السيكولوجية الأسترالية (رينيه ليرتزمان) هو الأقرب لمرادنا هنا، فهي سبقَ أن استعملت مصلح (الاكتئاب البيئي) في كتابها: (Environmental Melancholia, Psychoanalytic dimensions of engagement)، وقد ذهبت فيه إلى القول بأنّ (الاكتئاب البيئي) أحد أشكال الاكتئاب التي تفسر الطرق التي يعاني بها الناس من الخسارة العميقة والاضطراب الناجم عن القضايا البيئية، ومع ذلك قد يواجهون صعوبة في التعبير عن مثل هذه التجارب أو فهمها. وهي تميّز بين القلق البيئي والكآبة البيئية بوصف الأول شعورا بالعجز أو الإرهاق نتيجة حجم المشاكل البيئية ومدى إلحاحها. وقد يعاني الأشخاص المصابون بالقلق البيئي من أعراض مشابهة للقلق العام، مثل الأرق والتهيج وصعوبة التركيز واضطرابات النوم. أما (الكآبة البيئية) فهي حزن عميق أو حداد يعيشه الإنسان نتيجة التدهور البيئي، مرتبط بإحساس عميق بالخسارة، والشعور بالعجز. وإذا كان اشتغال ليرتزمان سيكولوجي فإن الفيلسوف البيئي تيموثي مورتون (2012) قد تناوله من زاوية فلسفية، إذ رأى أن الاكتئاب أو الحزن قد يكون الشكل الأكثر ملاءمة للتفكير البيئي. وقد ربط بين المنظور الإيكولوجي والنظرة الكلاسيكية للاكتئاب بعدّه (مزاج الأرض)، فالحزن أسود، أرضي، وبارد، عند قدماء الفلاسفة والعلماء، وهي التفاتة لطيفة، لكنه يرى أن الحزن البيئي ليس جدليًا: "لا يوجد نفي في اللاوعي ولا في التطور. الأشياء لا تختفي؛ بل تصبح أثرية أو تتحور". واعتقد أن تصوره بأن الكآبة البيئية ليست جدلية أمر غير واضح، إذ طالما هناك حراك على مستوى الوعي أو اللاوعي، فإن من المستحيل تصور الأمور خطية، بل ثمة جدلٌ يقتضيه الأثر ذاته، وهو نفسه يقول: "في داخل الحزن يكمن حزن غير مشروط. وداخل هذا الحزن يكمن جمال. وداخل الجمال يكمن الشوق. وداخل الشوق يوجد حقل بلازما من الفرح". وهذه علاقة جدلية، فضلا عن أننا لا يمكن أن نتصور الاكتئاب بعيدا عن شبكة العلاقات المعقدة التي تجمع الإنسان بمحيطه البيئي، لا الاجتماعي فحسب، وهو ما سبق لـ(تيموثي مورتون) أن تنبّه له بقوله: "الاكتئاب هو الأثر الداخلي للتعايش، تناغم عالي الحساسية مع الكائنات الأخرى، والإحساس بالاستجابة لمجموعة وفيرة من الأشياء". وهو أمر يرسخه مصطلحه (Hyperobjects)، فنحن نعيش الإحساس بالعجز عندما نواجه قضايا بيئية ضخمة ومعقدة، عجزنا كفيل بأن يقودنا نحو الاكتئاب. مع تسليمنا معه بكون الكآبة (حزن دون حداد)، وهذا ما نختلف فيه عما سبق أن ذهبت إليه ليرتزمان.
 وهنا قد يسأل سائل لماذا مصطلح "Eco-melancholy" وليس "Environmental Melancholia"؟ والجواب يكمن مبدئيا في كون المصطلح الثاني ارتبط عند الباحثة ليرتزمان بما هو نفسي عند الفرد الذي يعيش التغييرات البيئية السلبية، واشتغلت عليه من هذه الزاوية، وهو يرتبط بالنظر بالمشكلات ذات العلاقة بالبيئة وإيجاد حلول لها، وليس هذا ما أردناه، لذا اجترحنا المصطلح الثاني بعد رفع اللاحقة العلموية منه (logy) مع الاحتفاظ بالفضاء الخاص للسابقة (Eco) بما تحمله من حمولة معرفية ذات بعد اجتماعي فالـ( Oikos)- Eco-  مكان المعيشة الذي يتشكل فيه الإنسان ويشكّله، وإي ابتعاد عنه يتحوّل إلى همّ وجودي، فكيف بخرابه؟ فضلا عن كون هذا المصطلح يتواشج مع مصلح الرهاب البيئي (Ecophobia) ومن ثمّ أردنا الحفاظ على النسق الاشتقاقي نفسه.

 

d16ae023-2b5d-44ae-8ad2-4b852fbf5b24.webp


أما ما أردناه به فهو الحزن الوجودي العميق الذي يعيشه الإنسان نتيجة وعيه بفقدان الأمان لتخريب أو تدمير الرحم الطبيعي الأليف الذي يسكنه (بيئته) بفعل الأعمال البشرية المعادية بصورة واعية أو غير واعية، وانعكاسه في منتجه الإبداعي، وإذا كان المصطلح الأول "Environmental Melancholia" يرصد مظاهر الكآبة، مثل العجز والإحباط، والتوتر، والقلق...إلخ، ويضع الحلول المناسبة لمواجهتها، فإنّ صياغتنا تقف عند تجليات الكآبة وكيف استطاع المبدع أن يعبر عنها. مع التأكيد على كون الاستجابة تتوجه باتجاهين أولهما عقلاني، والآخر عاطفي- ذاتي، وكلاهما تنتج عنه حالة من الاغتراب، بفعل العجز عن المواجهة والتغيير، فيجد الإنسان متنفسه في الجوانب الإبداعية. ومن ثمّ يمكن أن ندرج ما اصطلحنا عليه بالـ(Eco- Melancholy) ضمن دائرة أوسع من فقدان الـ(إحساس الفاعل بالأمن الوجودي) بحسب اصطلاح (أنطونيو جيدنز) ومساعيه لخلق توازن نفسي عبر الفعل الإبداعي. 

 

▪︎ الإيكوميلانخوليا في الأدب

بدءا ليس لنا أن نتحدث عن أدب بيئي كغرض مثله مثل الأغراض التقليدية في المجال الإبداعي، إذ ليس من أدب إلا والبيئة حاضرة فيه، بشكل مكاني حاضر وفاعل (السرد)، أو بشكل مكاني مضمر (الشعر)، فيما الفنون الأخرى، باستثناء الموسيقى- المكان فيها مضمر، مكانية، ومن ثمّ يمكننا العودة إلى (كانط) بعدّ المكان واحد، وهناك أمكنة مختلفة لا تشكّل إلا أجزاءً منه، وهو ضروري- أولي (قبلي). وعلى هذا الفهم، بعد الأخذ بالتطوير الأنشتايني، ولد تصور الكورنوتوب عند باختين، مع أخذنا بما ذهب إليه من كون تجسّد الشخصية يحيلها إلى المكان في حين ذاتيتها تحيلها إلى الزمان، وقد استعمل مصطلح الكرونوتوب (Chronotope) عادا إيّاه مقولة شكلية من مقولات الأدب، وما يهمنا هنا أنه نظر إلى المكان الإبداعي بارتباطه بالمُبدَع نفسه، فالرواية الرومانسية لها أمكنتها، وكذا القوطية... فالكرونوتوب وسيلة لتحري "الأنماط الخطابية الأساسية التي تأخذ منها الأعمال الفنية شكلها والتي تسمح لها أن يجري فهمها وتحليلها كنتاجات ثقافية"، ومن ثمّ يمكننا القول بأن الطبيعة بشكلها الأولي (حضورها في الرعويات والشعر الغنائي- العاطفي) أو بشكلها الثانوي (المصنّع بشريا) وحضوره في الرواية الواقعية حضورا أصيلا لا يمكن تصور نتاجا إبداعيا بدونه إن بوصفه الساند والمحتوي، أو بوصفه ثيمة العمل الأساس. هذا الحضور هو ما سنقف عنده. والحضور المكاني الآن مرتبط إما بالنفور المتولّد عن الاغتراب، أو عن الفقدان المترسخ في الاغتراب. ففي كلا الأمرين لا يحضر المكان (الطبيعي) إلا وعاءً لاغتراب يتجلى من خلال ما أطلقنا عليه الإيكوميلانكوليا. التي لا يمكن فصلها عن التشابك العلاقي مع الكائنات الحية الأخرى، بل يمكننا الحديث من خلالها عن التحول من السيفنكسية مرورا بالبشرية وصولا إلى السايبورغية، حيث كانت في الأولى ثمة وحدة بين الكائنات فتجسدت آلهتها بالجسم الحيواني والرأس الإنساني، واليوم نحن نتحدث عن كائن حي سيبراني (السايبورغ) وهي تحولات لا يمكن فصلها عن المجال الحيوي- الطبيعي للإنسان، قبل أن- وبعد أن- امتلكنا الوعي بما خلفته نظرية مركزية الإنسان (Anthropocentrism) من تدمير لمحيطنا الطبيعي. 

 

0_Zw_Jnz3CPdHBAGv2.webp

 

وكيف جرى النظر الإبداعي لهذا التدمير، وهنا نسعى للإفادة مما قدمه (مورتون) من تصور حول البيئة المظلمة، واستغلاله المثمر لمفهوم (أدورنو) عن (اللا- تماثل)، فإذا كان نورتون يرى أن اللا- تماثل هو المكان الذي نصبح فيه غير خائفين من الاختلاف، أي التعبير عمّا نحن فيه من دون السعي لتجميل الطبيعة، أو اللا- إنساني، وبحسبه (نورتون) فإن جعل النفايات تختفي لا يلتزم بقواعد البيئة المظلمة لأنه سيكون مطابقًا لمحو الهوامش من أجل المركز: يجب على المرء أن يستخدم النفايات بدلًا من التخلص منها. وهو يقول بشاعرية: "يجب أن نجد طرقًا للبقاء عالقين في الفوضى اللزجة التي نحن فيها والتي نكوّنها، وأن نجعل التفكير أكثر اتساخًا، وأن نتماهى مع القبح، وأن نمارس "علم الأشباح" (hauntology) (عبارة دريدا) بدلًا من علم الوجود (ontology). لذا فلنخرج الملابس السوداء، والكحل، والمكياج الأبيض، ولنبدأ بالموسيقى المتلألئة: بيئة مظلمة (dark ecology)". نحن هنا نبدأ بالموسيقى المتلألئة، المعبرة عن جحيم ما نحن فيه ببكائيتها الكئيبة. وهو أمر يسير بنا نحو مفهوم (الخيال البيئي- The Environmental Imagination) الذي طرحه (لورنس بويل) في عمله الرائد، (الخيال البيئي: ثورو، كتابة الطبيعة، وتشكيل الثقافة الأمريكية)، ويرى أنه طريقة للنظر إلى العالم والعلاقة بين الإنسان والبيئة تتجاوز مجرد تصوير الطبيعة في الأدب، بل هو قوة فاعلة ومؤثرة، لا تكون البيئة فيه مجرد خلفية، مبنية على الترابط، إذ ترتبط جميع الكائنات الحية مع الأنظمة البيئية. والتفاعل، فالإنسان يؤثر على البيئة بأفعاله، وكذا البيئة تؤثر فيه. ومن ثمّ فهو ينطوي على نقد للمركزية البشرية (Anthropocentrism). 
وهو أمر ينعطف بنا نحو النقد الإيكولوجي، وهو نقد أضاف المكان إلى فئات: العرق، والطبقة، والجنس، التي عرفها النقد منذ القرن التاسع عشر. لكنه لم يقدّم تصورا منهجيا أداتيا يمكن للمتعلم الإمساك به، بل مازال تصورات وتصديقات برغم عموميتها إلا أنها تتلبس اللبوس الذاتي في النقد، فالناقد الإيكولوجي ناقد ثيمي متتبع لتشكلات المكان، والمكان الطبيعي على وجه الخصوص، محاولا تأطير فعله النقدي بأطار مفهومي تربطه بالأطر المفاهيمية الأخرى الأرضية البيئية، وتظله السماء ما بعد الحداثية، لذا فعدّه فرعا من الدراسات الثقافية هو الأقرب لتصنف أعظم انجازات نقّاده. باعتماد ما سبق يمكن النظر في الأدب العربي، والشعر منه على وجه الخصوص، إذ إنه شعر ارتبط بالمكان، فكانت المقدمات الطللية سمة مائزة لكبريات القصائد، والوقوف على الطلل يضمر رثاءً للطبيعة، فالصحراء متنقلّة العشب لا البشر نتيجة التغيرّات المناخية التي تجعل من ابن الصحراء مواطنا بلا وطن محدد، إذ الصحراء، أية صحراء هي وطنه، إذ هو الأشدُّ ثباتا في حياة الصحراوي، وهذه المفارقة الكبرى رسمت حياته، فهو المكاني اللامكاني. وهذا ما نجد مصداقه في لامية العرب للشنفرى:
وَلي دونَكُم أَهلَونَ سيدٌ عَمَلَّسٌ    وَأَرقَطُ زُهلولٌ وَعَرفاءُ جَيأَلُ
فهو هنا يستبدل أهله وعشيرته بحيوان الصحراء، الأمر الذي يؤكد حجم الترابط الطبيعي بين كائنات هذه البيئة، التي لم تر في التقدم إلا تدميرا لها، وتخريبا لطبيعتها الأولية البسيطة المجردة، وربما قصيدة (ميسون ابنة بحدل الكلبية) خير دليل على هذا:
لــبــيــت تــخــفــق الأرواح فـــيـــه          أحـــب إلـــيّ مـــن قـصــر مـنـيــف
ولــبــس عــبــاءة وتــقــرّ عـيــنــي          أحـب الــيّ مــن لـبس الشفوف
لم تكتف برفض حياة المدينة، بل حنينها أفقدها السكينة، وأدخل الكآبة إلى قلبها. ولم تجد في زوجها المدني (معاوية بن أبي سفيان) وقصره المنيف إلا سجنا وسجانا، وبعد طلاقها قرّت عينها فعلا، وهذا يؤكد أن حنينها كان يتسبب ببعث كآبة لا رادَ لها إلا بالعودة إلى جذرها المكاني. لذا ارتبطت ثورة الشعر (العباسي) الحديث، بهجاء المكان الصحراوي وتفضيل المكان المدني، وخير من مثّل هذه الثورة الشاعر أبو نواس (٧٥٦م- ٨١٤م)، فهو القائل: 
عَاجَ الشقي على رَسْمٍ يُسَائِلـــُهُ           وعجــت أسْأَل عَنْ خمارة البَلَدِ
لا يرقئ الله عَيْنَيْ مَنْ بَكَى حَجَرًا      ولا شفى وَجْدَ مَنْ يَصْبــُو إلى وتد
ثورة على حياة الأعاريب، أبناء الصحراء، ثورة على المكان القديم، وما ارتبط به من نزعة قبلية استدعتها الظروف المكانية نفسها، ودعوة للحياة المدنية، فالمكان ارتبط بشكل شعري، لا تكون الثورة بغير رفض الاثنين معاً. هي ثورة على بنية القصيدة، باستبدال المقدمة الطللية بالمقدمة الخمرية، مثلما تستبطن دعوة اجتماعية ليكون الشاعر ابن مكانه، فلم تعد الصحراء بيته. وهذه الدعوة سيستحضرها، بعد أكثر من عشرة قرون، أحمد فارس الشدياق (1804- 1887) في قصيدة له يمدح فيها المدينة ويذم الصحاري والأرياف.
ألا عللاني بالتمدن تعليلا                 فصبري من دون المؤانس قد عيلا
ولا تذكرا لي عافيا من ربوعهم          فجسمي أعفى منه رسما ومدلولا

 

مقارنة-بين-سكان-الريف-وسكان-المدن.jpg


لكن هذه الصورة ستنقلب في القرن العشرين، ويعود بكاء الأطلال تعبيرا عن كآبتنا البيئية، بعد أن تبدأ المدينة بالتمدد فتستحيل غولا عند الشعراء، وتبدأ الحياة البسيطة تنحسر، بانحسار الغابات، والبساتين، وجفاف الأنهار، وتصحّر الأراضي الزراعية. فكأننا أمام مقدمات طللية مختلفة، فحين يكتب السيّاب:
ألا يا منزل الأقنان، سقتك الحيا سحب      
تروِّي قبري الظمآن، تلثمه وتنتحب
فالدعاء بالغيث يوحي بأن المكان استحال بلقعا، ولم تعد رائحة للخضرة فيه، والتهمت الصحراء قلبه، فلم يجد صاحبه إلا الدعاء، لكن هذه السحب لا تحمل المطر غيثا فحسب، بل دموع، وهنا نرى التناوب بين الرغبة بالحياة وحضور الموت الطاغي. وهي صور تتكرر عند السياب:    
آه جيكور، جيكور 
ما للضحى كالأصيل؟
يسحب النور مثل الجناح الكليل
ما لأكواخك المقفرات الكئيبه
يحبس الظل فيها نحيبه؟
أين...  أين الصبايا يوسوسن بين النخيل
عن هوى كالتماع النجوم الغريبه؟
أين جيكور؟
هي بكائية مكانية، بكائية قرية ابتلعها الجفاف، وأذاب نضارتها التصحر، بكائية استحال السؤال فيها خبرا، مثلما كان الأمر عند امرئ القيس توسلا. إذ لم يبق من جيكور إلا أكواخا مقفرة، ولم يشب السياب فحسب، بل شابت هي أيضا، وأحنت جذعها السنون، وكثرة الاستفهام فيها يحيلنا صوب طليليات الجاهليين وخصوصا (أمرؤ القيس): 
جيكور شابت وولى صباها
وأمسى هواها
رمادا إذا ما 
تأوّهن هزّته ريح
فما كان مخضرّا بالأمس أمسى رمادا اليوم، والرماد بدلالته المعروفة يلخص لنا حال القرية الخصيبية. إنه يكتب مرثيته لريف عراقي ستأكله المتغيرات البيئية المختلفة:
جيكور، جيكور أين الخبز والماء؟
الليل وافى قد نام الأدلاّء
والركب سهران من جوع ومن عطش
والريح صر، وكل الأفق أصداء
وليس من تجلّ أدبية للكآبة البيئية بأجلى من هذا النشيج السيابي...

 

▪︎ الخاتمة

لا أريد أن أعيد ما سبق قوله، ولا أن ألخصه، بل أؤكد أن مصطلح (الميلانكوليا) لن يكون ذا نفع كبير ما لم تكن هناك دراسات تدعمه في شتى مناحي الإبداع الإنساني، وليس الغاية ترسيخه فحسب، بل إثبات الجدوى من اجتراحه، وتعزيز حضوره إلى جانب المصطلحات البيئية الأخرى.
انشغلت الدراسة الحالية ببيانه، وتحديد مجاله، وعلاقته بالمجموعة الاصطلاحية المقاربة، لذا جاء الجانب التطبيقي بسيطا، مقتصرا على تجارب محدودة، وهذا ما سنسعى لتعزيزه، وتطويره في دراسات لاحقة.     

 

▪︎ قائمة المصادر :
- الكتب العربية...
- أشكال الزمان والمكان في الرواية، ميخائيل باختين، ترجمة: يوسف حلّاق، وزارة الثقافة، دمشق، ط1، 1990. 
- الأعمال الشعرية الكاملة، بدر شاكر السيّاب، تحقيق: علي محمود خضر، دار الرافدين، ط1، 2020.
- ديوان امرؤ القيس اعتنى به: عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، ط2، 2004م. 
- الشعر والشعراء: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرِيُّ (213ه- 276هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1982. 
- علم اللغة البيئي: اللغة وعلم البيئة والقصص التي نحيا بها، أران ستيبي، ترجمة: ريهام حسن الهواري وآخرون، المركز القومي للترجمة (3403)، القاهرة، ط١، 2023. 
- النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، إيان كروب، ترجمة: د. محمد حسين غلوم، سلسلة عالم المعرفة (244)، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، ط1، 1999.
- النظرية الأدبية، ديفيد كارتر ترجمة: د. باسل المسالمة، دار التكوين، دمشق، ط1، 2010. 
* النظرية الجمالية: المؤلف والبطل في الفعل - الجمالي، ميخائيل باختين، ترجمة: عقبة زيدان، دار نينوى، دمشق، ط1، 2017.
- النقد البيئي (مقدمات، مقاربات، تطبيقات)، إعداد وترجمة: نجاح الجبيلي، دار شهريار، البصرة، ط1، 2021. 
- النقد البيئي بين التنظير والتطبيق، لورنس بويل وآخرون، ترجمة: د. معتز سلامة، دار النابغة، طنطا- مصر، ط1، 2023.
- كتب أجنبية....
* Aesthetics. Cambridge, MA a London: Harvard University Press, 2007.
* Dark Ecology (For a Logic of Future Coexistence), Timothy Morton, Columbia University Press, 2016.
* Ecosophical Aesthetics, Art, Ethics and Ecology with Guattari, Patricia MacCormack and Colin Gardner, First published in Great Britain 2018. 
* Morton, Timothy, Ecology: Without Nature. Rethinking Environmental
▪︎ مواقع ومجلات...
- الإسهام النسبي لإستراتيجيات المواجهة في التنبؤ بالقلق البيئي/ قلق التغيرات المناخية والرفاهية النفسية لدى طلبة الجامعة، د. سهيلة عبد البديع سعيد شريف، مجلة كلية التربية، جامعة عين شمس، عدد 46، ج4، 2022.
- تنظير في فضاء انفتاح ملتبس: النقد البيئي والايكوفوبيا
- الطوارئ المناخية: التحليل النفسي لإنقاذ الكوكب، موقع العربي الجديد على النت، 24/ مايو/ 2020: https://www.alaraby.co.uk/ 
- "القلق البيئي" ما علاقته بالتغير المُناخي وما هي أعراضه؟ موقع طقس العرب على النت، 20/ 9/ 2023: https://www.arabiaweather.com/ar/
* Reading Ecophobia: a Manifesto, Simon C. Estok, Ecozon@,Vol. 1 No. 1, 75.     https://www.researchgate.net/profile/Paolo-Cianconi
* : Eco-emotions and Psychoterratic Syndromes: Reshaping Mental Health Assessment Under climate Change: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37396973 /    
* https://glennaalbrecht.wordpress.com/?s=Solastalgia: Ecocide and   Solastalgia, Glenn A Albrecht,    
* Ecological grief as a mental health response to climate change-related loss,  Ashlee Cunsolo and Neville R. Ellis , Nature Climate Change | VOL 8 | APRIL 2018 | 275–281 | www.nature.com/natureclimatechange  
* Australian eco-horror and Gaia's revenge: animals, eco-nationalism and the ‘new nature’ Catherine Simpson,Published online: 03 Jan 2014, https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1386/sac.4.1.43_1
* Environmental Melancholia: Psychoanalytic dimensions of engagement, Renee Lertzman, June 2015: https://www.researchgate.net/publication/283106062_Environmental_Melancholia_Psychoanalytic_dimensions_of_engagement    
* Synthesis: an Anglophone Journal of Comparative Literary Studies Vol. 0, 2008, Morton, Timothy. Ecology: Without Nature. Rethinking    Environmental, Aesthetics. Pp.249 (Book reviews): http://dx.doi.org/10.12681/syn.16693, Pp.188.  
  

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media