
يوميات طبيب... صدمة اليوم الاول

د. أسامة شكر محمد أمين
14/3/2025، 10:41:12 ص
بعد تخرجي من كلية طب بغداد، وفي اليوم الاول للمباشرة بعد تعييني كطبيب مقيم دوري وبراتب يوازي آنذاك دولارين شهريا، وعند الساعة الثامنة صباحا من يوم الاحد الاول من اكتوبر، فوجئت بوضعي على جدول الخفارة لذلك اليوم (30 ساعة)، اذ لم أتخذ احتياطاتي وأجلب معي مايلزمني من ملابس واحتياجات المبيت خارج المنزل.
توجهت الى الطابق العاشر (طب الاعصاب و ردهة الامراض النفسية و ردهة الباطنية الخاصة) في مستشفى بغداد التعليمي في مدينة الطب. من المفترض ان نباشر في هذا القسم في السنة الثانية من التعيين و لكن لأسباب معينة وضعونا هناك (مهمة صعبة لخريج حديث، عمل طويل في ٣ اختصاصات مختلفة بدون خبرة سابقة). مباشرة، عند دخولي للطابق نادوا علي بالذهاب الى الغرفة الفلانية. توجهت هناك، وجدت حينها أ.د. "خ. ش." جالسا ويدون على ورقة، وبرفقته طالب دراساته العليا. قدمت نفسي، فأجابني بود واعطاني رسالة الى أ. د. "ع. خ."، كانت عبارة عن استشارة للتداخل الجراحي. المريضة (و) عمرها ٤١ سنه عزباء، من أهالي محافظة البصرة جنوب العراق، كانت تعاني من صداع شديد مزمن في الاشهر الاربعة الماضية. وقبل شهر، توجهتْ مع عائلتها الى احدى دول الخليج للعلاج. تم تشخيصها كصداع نصفي. دخلت الى ردهتنا قبل تعييني ب١٠ ايام وكانت بصحة ممتازة. تم اجراء فحص الرنين المغناطيسي لدماغها والمتواجد فقط في مستشفى الشهيد عدنان المجاورة لمبنى مدينة الطب (كان دخول جهاز الرنين المغناطيسي الى العراق في خضم الحصار الاقتصادي انجازا كبيرا) وعادة ما يتاخر الحصول على التقرير والاشعة لعدة ايام.

في فجر يوم مباشرتي، دخلت المريضة "و" فجأة في غيبوبة تامة وعميقة. في نفس الوقت، قام احد طلبة الدراسات العليا بالتوجه الى قسم الرنين المغناطيسي لرؤية نتائج الفحص على الكومبيوتر (بدون تقرير). اتضح ان لديها ورما خبيثا في الدماغ. توجهت مع الرسالة الى الطابق العاشر في مستشفى الشهيد عدنان، حيث تتواجد ردهة الجراحة العصبية. كان أ. د. "ع. خ." في جولة سريرية مع فريق كبير من الاطباء المتدربين و الاختصاص. انتظرت لمدة ساعة تقريبا. سلمت عليه واعطيته الرسالة. جلس في مكتبه وقرأ الرسالة. قام بتكليف احد طلبة دراساته العليا بالمعاينة والاجابة، (بعد سنوات في الخدمة داخل و خارج العراق، اتضح لي انه كان من المفضل لو قام الاخير بمعاينة المريضة وكتابة جواب الاستشارة لنظيره، بما يسمى معاملة الند بالند الوظيفي و العلمي). رافقت طالب الدراسات الى ردهتي. كان جوابه "اصبحت الحالة بعد التداخل الجراحي". كتب ملاحظاته وذهب مشكورا. طُلب مني عمل استشاره اخرى لردهة العناية المركزة. توجهت الى نفس المستشفى الاخر، اعتقد كانت ردهة العناية في الطابق ١٤. اتت معي طالبة دراسات عليا. كان جوابها اللارسمي لي ان "و" ستفارق الحياة قريبا جدا و دخولها العناية الفائقة (ذات الاربع اسرة) لن يضيف شيئا وسوف يحجز سريرا لمريض قد يحتاجه فعلا في المستقبل القريب (لاحظ ان هذه الاحداث كانت قبل اكثر من ربع قرن في بلد محاصر من كل ناحية). عدت الى عملي الروتيني وطُلب مني عمل "چارت" كل ساعتين للعلامات الحيوية ل"و" (اذ كانت من واجبات الطبيب انذاك و ليس الكادر التمريضي). في اثناء عملي في كتابة علاج احدى المريضات، صادف وجود امتحان لطلبة المرحلة السادسة في كليتنا. اخبرت الطالب بالجلوس واكمال اسئلته وانني لن اقاطعه. ظن أ.د. "خ إ" (استاذنا في طب بغداد، اغتيل رحمه الله في 2006) القريب نوعا ما منا انني اتكلم مع الطالب لمساعدته بالامتحان، مما دفعه لتأنيبي امام المرضى.

تدخل احد طلبة الدراسات العليا المرافق لنا ليوضج الحقيقة. لكن الاستاذ لم يعقب معتذرا مما بدر منه وذهب وكأن شيئا لم يكن. فجأة ارتفع الضغط الشرياني كثيرا مع تباطئ واضح لدقات القلب للمريضة "و" نتيجة لارتفاع الضغط الدماغي. عند الظهر، طُلب مني استشارة الوحدة الباطنية الخافرة. حسب جدول الخفارات، اتصلت على الدكتورة "س" في الطابق التاسع حيث تعمل وفي ردهة الطوارئ وفي غرفتها في دار سكن الاطباء (الاتصال كان عن طريق البدالة الداخلية، اذ لم تدخل خدمة المحمول العراق الا نهاية 2003 بعد تغيير النظام السابق). لم استطع العثور عليها. علمت ان الطبيب الباطني الخافر للاستشارات هو د. "ع ر" بديلا عن زميلته في الدراسات العليا في الطب الباطني. اتى د. "ع" وكان مؤدبا وهادئا. اخبرني ان سبب الاستشارة هو طبي - قانوني وليس علميا. كتب ملاحظاته والعلاج المقترح وذهب مشكورا. كان العقار الخافض للضغط الشرياني الذي اقترحه د. ع غير متوفر في المستشفى مما أضطر ذوو المريضة الى شراءه من خارج المستشفى. في خضم العمل الجديد والمجهد، فاتتني وجبة الغداء (اذ كنت على فطور بسيط منذ الساعة السادسة صباحا) مع عدم تمكني من توقيع الحظور بين الساعة 1 الى 2 ظهرا (التوقيع كان في سجل خاص في الطابق الاول، في غرفة رئيس الاطباء المقيمين). اعتبروني متغيبا عن العمل عند ذهابي للتوقيع المسائي في الساعة 8 مساءً ولم يقبل رئيس الاطباء الخافر تصحيح الموقف وسبب (وليس عذر) عدم توقيعي حينها. في تلك السنين العجاف، كان لدينا في مستشفى بغداد التعليمي ٣ تواقيع للحظور (صباحا و ظهرا، ومساءً بالنسبة للخافر ليلا، في اوقات محددة)، ولم يكن الحال مشابها في مستشفى الشهيد عدنان ومستشفى دار التمريض الخاص المجاورتين (اذ لا توجد تواقيع حضور للأطباء المقيمين الدوريين او طلبة الدراسات العليا) والحال اسهل بكثير في مستشفى المنصور للاطفال المجاورة (سجل التواقيع موجود ولكنه رمزي)، وجميعهم ضمن مدينة الطب. عَلِم بعض مرافقي المرضى من خلال حواري مع الممرض الخافر معي "س ع" انني لم اتناول غدائي و انني متعب جدا (كانت الساعة 4 عصرا تقريبا). قال "س ع" ان إطعام الاطباء موجود في بهو الاطباء في الطابق الارضي لدار سكن الاطباء (مجاورا و لكن بعيدا) وفي ساعات معينة فقط (فطور، غداء، وعشاء). لكونه اليوم الاول الوظيفي في حياتي وخوفي من ترك الردهة، فكرت باعطاء المال لاحد عمال كادر التنظيف في الردهة لشراء عصير وبعض البسكت لي من كافتيريا مجاورة للطوارئ (يوجد في كل طابق عامل نظافة يسمى معين أو معينة، اغلبهم من ذوي الاعاقة الجسدية). حينها قام البعض من مرافقي المرضى "بتجميع" وجبة لي (من طعامهم الخاص، وليس من الطعام الذي تزوده المستشفى) بدون علمي، من خبز عراقي (يسمى صمون حجري) مع بعض الرز والمرق (اذكر انها كانت مرقة الطماطة). قدمها لي في طبق كبير احد مرافقي المرضى من ميسان (والده كان في غيبوبة عجز الكلية مع صرع) مع قدح من المفترض انه شاي، في ترتيب بسيط، وهو متوقع في ضل حصار اقتصادي وفقر لعامة الشعب ولمرضى راقدين.

كان الموقف عظيما بالنسبة لي والطعام لذيذا ويعكس كرم ونخوة المواطن العراقي رغم عوزه وفقره، اذ كان معظم الراقدين في الردهة اما من احياء فقيرة في بغداد او من محافظات جنوب العراق. كان المرضى يحالون الى مدينة الطب من كافة محافظات العراق، التي كانت مركزا طبيا و تعليميا عظيما يزخر بقامات الطب العراقي رغم ظروف الحصار الاقتصادي الخانق وبساطة الامكانات. تدهورت حالة "و" كثيرا عند المساء وتباطأ تنفسها. قرابة الساعة 10 مساء، بدأت تتنفس من جديد لكن بتسارع لايلبث أن يتباطأ ليتوقف لمدة 5 ثوان تقريبا ويعاود الكرّة من جديد. ضغطها الشرياني لم ينخفض، كان عاليا جدا مع بطء شديد لنبضات القلب وهي في غيبوبة عميقة. كنت اتفحص الفعاليات الحيوية بنفسي كل ساعتين منذ الصباح وتثبيتها في جدول. في ذاك اليوم، دخلت اكثر من حالة مرضية الى الردهة من عيادات الاطباء الاختصاص مباشرة، دون المرور بردهة الطوارئ. لم يكن جهاز المفراس والرنين المغناطيسي (لاجراء فحوصات دماغية) متوافرين في القطاع الخاص. في حين يتوفر جهازين للمفراس في مدينة الطب، في مستشفى الشهيد عدنان ومستشفى دار التمريض الخاص المجاورين، صباحا فقط (الى الساعة الواحدة ظهرا). كما يتوفر جهاز للمفراس في مستشفى جراحة الجملة العصيبة القريبة من الباب الشرقي وكان فعالا بعد الدوام الرسمي الصباحي. لا اذكر ان كان الاخير بمقابل مادي ام شبه مجاني لكنه كان يخلو من تقرير الفحص المقطعي. علمت من مرافقي المرضى ان مصورا فوتوغرافيا يتواجد في غرفة المفراس في المستشفى المذكور ويقوم بتصوير نتائج فحص المفراس الدماغي (المعروضة على شاشة الكومبيوتر) باستخدام كاميرا فوتوغرافية قديمة. عند نفاذ علبة الفيلم (بعد تصوير عدة مرضى، بمعدل 36 صورة للرولة الواحدة)، ترسل الى مختبر خاص (بمقابل مادي) في منطقة الباب الشرقي لتحميض وطباعة الفيلم ووضع الصور المطبوعة في ظرف صغير بحجم كف اليد لكل حالة يعطى لمرافق المريض من قبل مختبر التصوير. بعد ساعتين كمعدل. كانت هذه احدى نتائج الحصار الاقتصادي على العراق، بعدما كانت مدينة الطب لوحدها في العاصمة بغداد خلال السبعينات وثمانينات القرن الماضي الاولى ليس عربيا فحسب بل على مستوى الشرق الاوسط كذلك.

النقطة الثانية كانت وجوب عمل تخطيط القلب للمرضى الداخلين من قبل الطبيب الخافر (انا)، اذ كان جهاز التخطيط من النوع القديم (حراري الطبع وليس الكترونيا) موجودا في غرفة الطبيب الخافر التي تتواجد ضمن الردهة. كانت الغرفة في بداية الردهة وليست معزولة صوتيا، وقريبة من المصاعد، فالداخل و الخارج الى الردهة يمر من جانبنا وفي ذروة فترة زيارات المرضى عصرا، تتعالى الاصوات (فالجو العام كان غير مريحا). يوجد تواليت داخل الغرفة. منذ دخولي الى الردهة صباحا لم اخذ فترة للراحة او قيلولة، سوى للصلاة، فالعمل كان زاخرا بعد الظهر حتى منتصف الليل، اذ كنت وحدي ومتحمسا جدا للعمل، بعد ذهاب زميلي عند الساعة ١ ظهرا. لم اجلب ملابس او اغطية او منشفة. كنا ٣ اطباء، زميلة لي من طب بغداد (س) واخر خريج طب المستنصرية (ع). كان يرافق المريضة "و" اخوها و زوجته ووالدته وهم من محافظة البصرة، في احدى الغرف الخاصة (لمريض واحد). كان ما يسمى "نظام التمويل الذاتي" للمستشفيات حديث التطبيق والذي بموجبه يدفع المرضى التكاليف مقابل الخدمة الطبية في المستشفيات الحكومية بعد ان كان مجانيا لعقود عديدة في الدولة العراقية. كلفة الدخول للغرف العامة كانت ٥ الاف دينار (غرفة يتشارك فيها مرضى من 4 الى 6 مع مرافقيهم، مع او بدون تواليت). في حين تبلغ تكلفة الغرف الخاصة 25 الف دينار (مريض واحد فقط مع مرافقيه). سبّب هذا النظام ارباكا في البداية مع مشاكل لم تعرف سابقا، اذ كانت الغاية منه الحصول على المال لصرفه كحوافز للعاملين تجنبا لرفع الرواتب من قبل الدولة (التي لو تم رفعها، لارتفعت الأسعار بشكل تضخمي كبير مؤثرا على المواطن المتأثر اصلا بسنين الحصار الاقتصادي القاسية). مثلا، تم ادخال مريض شاب الى ردهتي بمرافقة زميله، كانوا يعملون في احدى مطاعم باب المعظم القريب من مدينة الطب، في وقت المغرب بعد اصابته بنوبتي صرع. لم يكن زميله العامل الشاب يحمل المال ولا توجد وسائل اتصال لاخبار عائلة المريض بالذي حدث، اذ ان مبلغ 5 الاف دينار (دولارين تقريبًا) كان كبيرا (مرتبي الشهري كان 5 الاف دينار). قام احد ابناء مريضة راقدة في الردهة مصابة بمرض خبيث منتشر الى الدماغ بالتبرع بالمبلغ كصدقة (كان تاجرا لاطارات السيارات) و اعطى مبلغ الـ 5 الاف دينار لمرافق المريض الذي لم يتعدى عمره 16 او 17 عاما الذي كان مذهولا بما يحيط به من أجواء لم يألفها من قبل. قيل لي ان التاجر رفض استلام المبلغ من ذوي المريض الذين جاؤا في اليوم التالي، عاكسا موقفا انسانيا نبيلا. اقتربت "و" من شفا الموت والساعة تجاوزت الثالثة صباحا ولم يغمض لي جفن منذ 20 ساعة تقريبا. قارب الوقت السابعة صباحا. دق احدهم باب غرفتي بعنف. لم اكن نائما. كان س ع، المعاون الطبي (الممرض) الخافر معي الذي احضر معه جهاز الصدمة الكهربائية لانعاش القلب. يبدو ان "و" توفيت. هرعنا معا الى غرفة المريضة اذ كانت على بعد ١٠ امتار منا. كانت والدتها تبكي بحرقة مكتومة وبصوت مخنوق واطئ، ناظرة الى ابنتها بنظرة لا توصف. كانت "و" بلا نفس وبلا نبض مغلقة العينين راقدة على ظهرها و جسمها رخو. قمت انا و الممرض باجراء خطوات الانعاش القلبي الرئوي (بالضغط على عظم القص و نفخ الهواء الى الرئة بجهاز خاص عن طريق الفم، بخطوات معينة). بعد دقيقة تقريبا، بدأ سائل ذو لون داكن كالدم يخرج من جهة فمها الأيسر. مسكني شقيقها الذي كان يرافقها من ذراعي بلطف هامسا بلهجة جنوبية"دكتور ماتت...عوفوها" كانت عيناه المحمرتان مغرورقتين بالدموع وهو يبكي شقيقته. ولكونهم من محافظة البصرة، فلا يمكنهم اخذ الجثة لدفنها في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف وفق عاداتهم. إلا بعد إستصدار شهادة الوفاة، لذا قام المعينين بإصطحاب الجثة الى مبنى ثلاجة الموتى المجاورة للمستشفى. اتصلت بطالب الدراسات العليا في الامراض الباطنية الخافر وكان في دار سكن الاطباء لإمر ما. طلب مني ان استخرج لها شهادة وفاة بخطي لتفادي اي تاخير لتسهيل مهمة مغادرتهم واملا علي بعض العبارات المستخدمة في كتابة سبب الوفاة.
لم اكن اعلم كيفية اصدار شهادة الوفاة و لم ار واحدة في حياتي. قال لي (ع س) ان سجل شهادات الوفاة موجود في ردهة انعاش القلب في الطابق الثامن (ضمن ردهة الرجال) و يمكن لأي طبيب عندنا (ايا كانت درجته الوظيفية) استخراج شهادة وفاة لمريض توفي في مستشفانا. يتطلب ملأ شهادات الوفاة توافر هوية الاحوال المدنية للمتوفي مع شهادة الجنسية العراقية، البطاقة التموينية، و بطاقة السكن. في حالة حدوث اي خطأ عند ملأ المعلومات (الاسم الكامل مع اسم الام و تاريخ التولد و السكن، أرقام عديدة للهوية و شهادة الجنسية، اسم الطبيب المبلغ و عنوان عمله الخ). لا يجوز الشطب او التصحيح بل كتابة حرف x كبيرا على الصفحة مع كلمة "بطالة" لمنع التزوير او التلاعب (كل شهادة وفاة لها 4 صفحات بالوان مختلفة، واحدة لذوي المريض و 2 الى دوائر الدولة ترسل من قبل المستشفى وواحدة تبقى في السجل). "ورم دماغي مع توقف القلب وجهاز الدوران و الجهاز التنفسي المفاجئ" كتبت هكذا في شهادة الوفاة مع المعلومات الاخرى. يتم قطع هوية الاحوال المدينة بالمقص على جانب صورة حاملها للدلالة على الوفاة.

استلم اخوها شهادة الوفاة و شكرني كثيرا و الكادر التمريضي واستلم شهادة الوفاة وغادر. عدت الى ردهتي عند الساعة 8 صباحا تقريبا. تقرب مني احد مرافقي المرضى (كان والده من واسط و يعاني من خراج كبير داخل البطن مع تسمم وصدمة وعائية بكتيرية مع غيبوبة). كانت عيناه تدمعان و قال ان والده توفي فجرا أي قبل المريضة "و"، ولم يرد اخباري او الممرض لانه يقدر ما جرى في اليوم السابق وليلته لنا. طلب بأدب شديد اصدار شهادة وفاة لاخذ والده لدفنه بسرعة اذ رفض اخذه الى ثلاجة الموتى. نزلنا معا الى نفس المكان لاصدار شهادة وفاة لوالده. استلمها ورحل هو الآخر.. كان اغلب المرضى و ذويهم على علم بأهمية حمل الهويات التعريفية عند الدخول الى المستشفيات خصوصا للحالات الخطرة التي ربما تنتهي بالوفاة.
توجهت الى الطابق الاول لتوقيع الحظور الصباحي. تناولت فطوري في كافتيريا الطوارئ (لم يكن هناك وقت للذهاب الى بهو الاطباء). رحم الله الفقيدة "وداد" التي علمتني دروسا لا تنسى في التعامل مع الكثير من المواقف كطبيب عديم الخبرة العملية و حديث التعيين، بل إنها اكسبتني شجاعة ومنحتني ثقة بالنفس في مجابهة حالات مستقبلية في حياتي المهنية داخل وخارج العراق. انتهى اليوم الاول بصدمته لتأتي بقية أيامي كطبيب على ذات المنوال.








