
سوقها يزدهر عالميا... المسيرات... كلف واطئة مقابل مهام قتالية خطرة

مراصد
27/3/2025، 11:11:51 ص
فرضت الطائرات من دون طيار نفسها في الآونة الأخيرة سلاحا فعالا متعدد المهام، وسعت الدول والجماعات المسلحة لامتلاكها، لأهميتها في توجيه ضربات موجعة للعدو بتكلفة منخفضة، مختصرة متغيرات كثيرة في الحروب، مثل التكلفة البشرية والمادية، والزمان والمكان، ومفهوم القوة، علاوة على أنها وفرت تسهيلات مختلفة لكل من تقع في قبضته هذه التقنية، ولعبت دورا بارزا ومتنوعا في كثير من الحروب، وحفَّزت الدول على تصنيعها أو الحصول عليها.
واقترب حجم الإنفاق العالمي على الطائرات المسيرة من 100 مليار دولار مع نهاية العام 2019، ضمن برامج تطويرها الى جانب الطلب المتزايد.
▪︎ استخدام مزدوج
كما هو حال القوات النظامية التي تحافظ على سيادة دولة، تعمل المجموعات المسلحة ما دون الدولة التي تعرف بالمليشيات او الجماعات المسلحة في توظيف قدرات الطائرات المسيرة لاسيما تلك التي يمكن تصنيعها بابخس الاثمان في مشاغلة وقتال القوات النظامية، مما جعل الكليات الحربية ومصانع التسليح الدولية تتعامل مع هذا التهديد ما بعد حروب خاضها الجيش الامريكي وقوات دول اخرى في افغانستان والعراق ولبنان سوريا واليمن وتركيا ناهيك عن حرب غزة التي ما تزال نيرانها مشتعلة حتى اليوم. لذلك لا يزال التصدي للطائرات دون طيار - خاصة الصغيرة منها - يواجه تحديات مختلفة، أبرزها تعذر كشفها أو رؤيتها بواسطة العين المجردة كون رادارات الدفاع الجوي مصممة أساسا للطائرات الكبيرة، مما يجعل التكلفة باهظة جدا في انظمة التصدي لها، فمثلا أنظمة باتريوت يكلف الصاروخ الواحد منها مليون دولار، في حين قد تبلغ قيمة الطائرة دون طيار نحو 500 دولار!! في المقابل، قدمت تقنية الطائرات دون طيار حلولا للكثير من المخاطر والتكاليف البشرية والمادية ذات الصلة بالعمليات العسكرية للقوات النظامية، حيث وفرت ميزات قتالية تتعلق بالحصول السهل والوافر والسريع على المعلومات بواسطة ما تحمله من معدات، مما أحدث استخدامها فروقا جوهرية، إستراتيجية وتكتيكية، أمام ما تحققه الجيوش على الأرض، من حيث الرصد والتعقب وغيرها من المهام، (هناك أمثلة كثيرة لما حققته هذه الطائرات في أفغانستان واليمن والعراق وليبيا وغيرها)على صعيد التأثير في حجم القوات، أحرز استخدام الطائرات دون طيار تقدما كبيرا مما كان دافعا لانسحاب غالبية القوات البرية الأميركية عام 2011 من العراق.
وفق هذا السياق، تبدو التعبئة القتالية للطائرات المسيرة مزدوجة الاستخدام، وهناك مساعي دولية لعقد اتفاقات عسكرية لصناعة اشباه الموصلات وتقنيات الاتصال عن بعد لتحديد نوع الاستخدام واليات الكشف، وتعد هذه المسالة احد ابرز نقاط الاختلاف في الحرب التجارية ما بين الولايات المتحدة والصين لتوفير تقنيات يمكن ان توفر لجماعات مسلحة او دول تعتبرها الولايات المتحدة معادية للنظام الدولي مثل كوريا الشمالية او ايران والجماعات المسلحة المرتبطة بها من صناعة انواع اكثر تطورا من الطائرات القتالية المسيرة.

▪︎ تسابق أمريكي صيني
تعد الولايات المتحدة الامريكية بعد تشغيلها الطائرات المسيرة مثل: "إم كيو1 بريداتور MQ1Predator" و"إم كيو9 ريبر Reaper 9MQ" منذ منتصف التسعينيات، من الدول الرائدة في الأنظمة الحديثة المسيرة ولديها خبرة أكثر من أية دولة أخرى عندما يتعلق الأمر باستخدام طائرات عسكرية مسيرة. ومع ذلك، فإن المنافسة شرسة، والمخططون العسكريون ومصنعو الدفاع يخصصون بالفعل ميزانيات كبيرة للبحث والتطوير والاستحواذ في هذا القطاع، ومن أبرز انواع المسيرات الأمريكية:
"إم كيو9 ريبر"، وهي طائرة مُسيرة مسلحة، تنتجها شركة "جنرال أتوميكس" الأمريكية، وتخدم في الخطوط الأمامية للقوات الجوية الأمريكية. وقامت أمريكا بتدشين أول سرب من هذه الطائرة في قاعدة "كريخ" للقوات الجوية في نيفادا عام 2006. وصُممت لتكون طرازاً متطوراً للمقاتلة السابقة طراز "إم كيو1 بريداتور"، وتتميز بقدرتها على حمل كم من الذخائر يتيح لها تحقيق مهام القنص والفتك بالأهداف المعادية. ولم تتخط قدرات "بريداتور" حمل أكثر من صاروخين من طراز "Hellfire" أو قنابل صغيرة الحجم، بينما يمكن لطائرات "ريبر" أن تحمل ضعف كمية صواريخ "Hellfire" والقنابل التي يصل وزنها إلى حوالي ربع طن. أما "جنرال أتوميكس إم كيو 20 أفينجر" فقد دخلت الخدمة في عام 2009. وتحل في المرتبة الثانية، في أعقاب "ريبر درون أفينجر من جنرال ديناميكس"، التي تعمل بالطاقة النفاثة وتتميز بمزيد من القدرة على التحمل وحمل أوزان من الذخائر تصل حتى نصف طن من القنابل. "آر كيو 4 غلوبال هوك" تم إطلاقها لأول مرة في عام 1998. ولا تزال إصدارات "غلوبال هوك"، من إنتاج "نورثروب غرومان"، رائدة في مجال الطائرات المُسيرة بفضل الحرص على إدخال التحسينات المستمرة. وتضمنت التحديثات وعمليات التطوير لمركبات "غلوبال هوك" ذاتية القيادة أجهزة الرادار المصفوفة الممسوحة ضوئياً النشطة "AESA" وأجهزة الاستشعار المحوّرة المحسّنة. وتستخدمها القوات الجوية الأمريكية كطائرة تجسس واستطلاع، واُسقطت طائرة من هذا النوع من جانب إيران في حزيران2019؛ بواسطة منظومة الدفاع الجوي الإيرانية من طراز "رعد خرداد"، وقيل إن الصاروخ المستخدم كان صاروخ "صياد". وبحسب تقارير صحفية أمريكية فقد "أصبحت قوات البحرية الأمريكية تمتلك حالياً ثلاث طائرات فقط من طراز طائرات التجسس المسيرة، والتي يُطلق عليها طائرات الاستطلاع البحري واسع النطاق "737 BAMS-D"، "وهي نسخة بحرية من آر كيو4 غلوبال هوك بعد إسقاط إيران واحدة". وبحسب هذه التقارير، تباع طائرة "آر كيو 4 غلوبال هوك" واحدة بأكثر من 200 مليون دولار، بحساب تكلفة أجهزة الاستشعار الخاصة بها.

ويتحكم المشغلون في الطائرة المسيرة من محطات العمل على الأرض، ويرسلون الأوامر عبر الأقمار الاصطناعية إلى الطائرات المسيرة، وفق صحيفة "ديلي بيست الأمريكية، 20 حزيران2019".
وتأتي الصين بعد الولايات المتحدة الأمريكية بعدما تمكنت من صنع 25 نوعا من الطائرات دون طيار، وقد كشفت عن بعضها في عرض تجاري عام 2010، وأعلنت عام 2018 بدء تصنيع الطائرة دون طيار"سي أتش-7″ بمواصفات تجعلها قادرة على التحليق إلى ارتفاع 13000 مترا، وسرعة 571 ميلا في الساعة، ويمكنها بواسطة مخزون صاروخي وقنابل بعيدة المدى التعامل مع الأهداف الأرضية والبحرية. ويُظهر "تقرير تطوير الطيران المدني الصيني بدون طيار 2023-2024" الصادر عن اتحاد النقل الجوي الصيني، أن الصين حافظت على مركزها كأكبر مصدر في العالم للطائرات المسيّرة المدنية لسنوات عديدة، ويشكل عدد طلبات براءات الاختراع في مجال الطائرات المسيّرة أكثر من 70% من الطلبات في العالم، مما يجعلها أكبر مصدر للتكنولوجيا في العالم. ووفقا للبيانات الصادرة عن مركز أبحاث صناعة المعدات الذكية التابع لشركة أبحاث السوق الصينية CCID "" مؤخراً، فإن صادرات الطائرات بدون طيار المدنية في الصين بلغت حوالي 1.8 مليار دولار في عامي 2022 و2023. وفي 2024، وصل إجمالي صادرات الصين من الطائرات بدون طيار الى 2 مليار دولار ، كانت هولندا والولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا والمملكة المتحدة والدنمارك والإمارات العربية المتحدة وكندا والبرازيل وماليزيا الدول العشر الأولى التي توجهت إليها شحن تصدير الطائرات بدون طيار المدنية الصينية.
▪︎ تنافس شرق أوسطي
أما إيران فقد أعلنت خلال العقد الأول من القرن 21 إنتاج طائرة من دون طيار لأغراض استطلاعية، وفي عام 2013، أعلنت تطوير أكبر طائرة استطلاعية قتالية مسيرة، أطلقت عليها "فطرس"، بطول 7 أمتار، ومدى طيران يصل إلى 2000 كلم.
وهناك من يعزو تطور القدرات الإيرانية في صناعة الطائرات المسيرة إلى استحواذها على طائرة تجسس أميركية دون طيار من طراز "آر كيو 170 سينتينيل" كانت قد أسقطتها أثناء اختراقها مجالها الجوي أواخر 2012. وتأتي إيران ضمن قائمة الدول البارزة في صناعة المسيرات، ففي أكتوبر الماضي أزاحت وزارة الدفاع الإيرانية الستار عن الطائرة المسيرة "مهاجر 10"، وقالت إنها قادرة على التحليق لمدة 24 ساعة على ارتفاع يصل إلى 7 آلاف متر بسرعة 210 كيلومترات، كما أنها قادرة على تنفيذ عمليات في مدى يصل إلى 2000 كيلومتر.

ووفقا لقناة بي بي سي، أثار برنامج طهران الطموح لإنتاج الطائرات المسيرة وتصدير عدد منها إلى روسيا حنق الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على شبكة من 10 كيانات و4 أفراد متمركزين في إيران، وماليزيا، والصين، وإندونيسيا، حسب بيان لوزارة الخارجية الأمريكية، وذلك لقيامهم بتسهيل بيع إيران مكونات إلكترونية أمريكية المنشأ، لطائرات مسيرة أحادية الاتجاه تنتجها منظمة تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، والضلوع في تزويد الحوثيين بمسيرات استهدفت بها السفن الأمريكية في البحر الأحمر. وقالت صحيفة "تلغراف" البريطانية، إن "وثائق" كشفت عن التوسع السريع الذي شهده مصنع "سري للغاية" في إيران لصناعة الطائرات المسيرة، والذي يُستخدم أيضا "لتدريب مسلحي حزب الله اللبناني لشن هجمات بالدرونز على شمالي إسرائيل". وتعتبر اسرائيل من أبرز الدول التي تعتمد على المسيرات بشكل كبير في عملياتها العسكرية، انطلاقاً من استخدامها لجمع المعلومات الاستخبارية والمراقبة والاستطلاع، وصولاً إلى الاعتماد عليها لقصف أهداف معينة، وتنفيذ عمليات اغتيال. وتمتلك إسرائيل 6 أسراب من الطائرات من دون طيار، نحو 10 أنواع منها تتوزع بين استطلاعية مخصصة لجمع المعلومات وهجومية. كذلك تمتلك نحو 8 أنواع من الطائرات الانتحارية.
وتشكل هذه الطائرات العمود الفقري للعمليات العسكرية، بحيث لا يتم تنفيذ أي عملية دون مشاركة أكثر من طائرة مسيرة للتحضير للمهمة وتنفيذها. وأبرز هذه الطائرات: "هيرمس 450"، و"هيرمس 900"، و"إيتان"، و"غولف ستريم 550 " و"هيرون"، و"أوربيتر"، و"سباي لايت"، و"سكاي سترايكر" الانتحارية، و"هاربي" الانتحارية أيضاً وغيرها. وفي العراق أعلنت هيئة التصنيع الحربي، تسليم الأجهزة الأمنية عدة أنواع من الطائرات المسيرة،وقال رئيس الهيئة مصطفى عاتي حسن في تصريح صحفي، إن "الهيئة باشرت بإنتاج أنواع من الطائرات المسيرة لأهميتها البالغة، بعد نجاحها في إنتاج بعض الأنواع من الطائرات الاستطلاعية المسيرة"، مبينا أن "الهيئة سلمت الأجهزة الأمنية بعضا من الطائرات". من جانبه، حميد عبد هلال المهندس في الشركة العامة للصناعات الحربية لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "لدينا مشروع (الحارس) لإنتاج الطائرات الاستطلاعية وهدفه مدني عسكري وليس عسكريا فقط". موضحا "باشرنا بعملنا في مشروعي صقر واحد ثم صقر اثنان ومن ثم مشروع الحارس ولدينا بحوث اخرى".
▪︎ تفوق أماراتي
وتأتي تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة من بين الأبرز في صناعة المسيرات، حيث أسس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة شركة إيدج في عام 2019، والتي أصبحت شركة عملاقة في مجال الدفاع، تضم 6000 موظف وأكثر من 25 شركة تابعة، وفي عام 2020 أصبحت الشركة الـ22 من حيث حجم مبيعات الأسلحة بمبيعات بلغت 4.75 مليار دولار أمريكي، حسبما ذكر موقع" تايمز أيرو سبيس" المتخصص في أخبار الطيران والدفاع.

وطورت الشركات الإماراتية عدة طرازات من الطائرات المسيرة، منها طراز "Wing Loong" الجناح الطويل، وهي طائرة مسيرة استطلاعية وهجومية من إنتاج شركة "ADASI" بالتعاون مع شركة "UST" الصينية، تتمتع بقدرة كبيرة على جمع المعلومات وتنفيذ عمليات ضرب دقيقة. اضافة الى طائرة “Yabhon United 40” يعتبر هذا الطراز من الطائرات المسيرة المتقدمة التي تستخدم في مجالات الاستطلاع والمراقبة بجودة عالية، ويمكنها أداء مجموعة متنوعة من المهام بكفاءة. كما تم تصميم طائرة جارموشا بدون طيار ذات الإقلاع والهبوط العمودي "VTOL" للقيام بمهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وهي مزودة بأنظمة بدون طيار متطورة يمكنها تنفيذ مجموعة متنوعة من المهام لتلبية متطلبات قوات الدفاع والأمن.
▪︎ تعاون تركي إسرائيلي
الى ذلك أعلنت تركيا من جانبها مطلع 2019 تطوير الطائرة دون طيار "أقسونغور" المعروفة سابقا بالعنقاء 2، وذلك أثناء تجربة إطلاق وتحليق وهبوط ذاتي دامت أكثر من 4 ساعات. على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه قطاع الصناعة التركي بالتعاون مع الجامعات والمعاهد والمؤسسات الحكومية - بمدخلاتٍ من الخارج، لا سيما "إسرائيل"، حيث تورد شركة “سايترونكس” Scitronix التجارية الإسرائيلية شتى أنواع مكونات المسيّرات الأوروبية والأمريكية المنشأ وكذلك أجهزة المحاكاة والتدريب لشركات تركية مثل شركة أَسِلْسان، وشركة “روكِتْسان” Roketsan لصناعة الصواريخ والمقذوفات ولمجلس البحث العلمي والتكنولوجي في تركيا “توبيتاك” ولجامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة METU، ومن المثير للفضول أن “سايترونكس” موردٌ للمكونات المذكورة لأقطاب صناعة المسيّرات الإسرائيلية “إِلْبِت” و”الصناعة الجوية الإسرائيلية” و”رفائيل”.27. وذكر "مركز الأمن الأمريكي الجديد" أن تركيا أصبحت أكبر مورد للطائرات العسكرية المسيرة على مستوى العالم منذ عام 2021، وكشف تقرير عن المركز أن تركيا تصدرت سوق الطائرات المسيرة الاستطلاعية والمسلحة على المستوى العالمي، متجاوزة بذلك دول مثل الصين والولايات المتحدة وإيران.









