
سيدة الطاقة النظيفة... بكين ترهق الغرب بهيمنتها على سوق التعدين النادر

مراصد
5/4/2025، 1:32:00 م
تسعى اوروبا والولايات المتحدة لكسر هيمنة الصين على تعدين المعادن النادرة اللازمة لبطاريات السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة الحديثة، إلا أن خبراء يتوقعون أن يستمر الاعتماد على الصين في هذا المجال لفترة طويلة.
وكشفت أوروبا في 25 مارس آذار الحالي، عن 47 مشروعا لاستغلال معادنها النادرة والاستراتيجية كالليثيوم الأساسي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، بهدف تقليل اعتمادها على الصين وحماية صناعتها. وكان الاتحاد الأوروبي قد تعلم بعد معاناة خلال جائحة كوفيد-19، ثم خلال الحرب في أوكرانيا، أن الاعتماد المفرط على الواردات للحصول على مواد خام حيوية قد يعرقل سلاسل إمداداته.
▪︎ تحذير اوروبي
وحذر نائب رئيسة المفوضية الأوروبية المسؤول عن الاستراتيجية الصناعية "ستيفان سيجورنيه" في مؤتمر صحافي في بروكسل من أن "الليثيوم الصيني لا يمكن أن يصبح الغاز الروسي في المستقبل". وكشف عن 47 مشروعا ذات أولوية لاستخراج معادن نادرة واستراتيجية على الأراضي الأوروبية ومعالجتها وإعادة تدويرها. وستستفيد هذه المشاريع التي تشمل افتتاح مناجم ليثيوم ونحاس ونيكل وتنغستن في الاتحاد الأوروبي، من إجراءات ترخيص مبسطة ودعم مالي أوروبي. واعترف المسؤول الفرنسي بأن "هناك شعورا بحاجة ملحة لم تكن موجودة قبل ثلاثة أو أربعة أشهر"، معربا عن الرغبة في التحرك بسرعة في سياق التوترات الجيوسياسية المتزايدة منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وستُنفّذ المشاريع التي كُشف عنها، في 13 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، وتقع ثمانية من هذه المشاريع في فرنسا، بينها مشروعان لاستخراج الليثيوم في ألييه "مجموعة إيمريس" وألزاس "مجموعة إيراميه". وأكد سيجورنيه أنه "خلال فترة طويلة، كانت المواد الخام تُمثل نقطة ضعف في سياستنا الصناعية". وأضاف، "بسبب تعقيداتها وكلفتها العالية وطول مدة إنتاجها، فضلت أوروبا شراء معظم المواد الخام التي تحتاج إليها بشكل شبه حصري، من خارج حدودها"، لافتا إلى أن "تلك الأيام قد ولّت".
▪︎ تقليل الاعتماد على الصين
وأقر الاتحاد الأوروبي تشريعا العام الماضي لحماية إمداداته بهدف تقليل الاعتماد على الصين في المواد المستخدمة خصوصا في تصنيع البطاريات وطواحين الهواء والذخائر. وقال سيجورنيه، "لا يمكن خفض الكربون من دون غاليوم لبناء ألواح شمسية، ومن دون نحاس لنقل الكهرباء، ولا توجد صناعة دفاعية من دون معادن نادرة تستخدم في صنع راداراتنا، وأجهزة سونار، وأنظمتنا للاستهداف التي نعتمد فيها بنسبة 100 % على مواد صينية"، مضيفاً ،"لا توجد صناعة على الإطلاق من دون نحاس وألومنيوم ومنغنيز يعزز بنية الفولاذ".
وتنقسم الخطة الأوروبية إلى أجزاء عدة: استخراج المزيد من المواد الخام في أوروبا، ولكن أيضا "تحويلها وإعادة تدويرها"، وتنويع الموردين الأجانب، وتطوير الشراء المشترك لتقليل التكاليف وبناء مخزونات استراتيجية.

▪︎ البحث عن مناجم جديدة
لكن الأولوية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي تتمثل في استغلال موارده الخاصة مع احترام معايير بيئية صارمة، في حين يعترض ناشطون بيئيون على هذه المشاريع. وقال سيجورنيه "دعونا نكون واضحين: نحن ملزمون بفتح مناجم جديدة في أوروبا"، مؤكداً أن القارة العجوز يمكن أن تصبح مثلا "مكتفية ذاتيا بشكل كامل من الليثيوم" خلال خمس سنوات.
وستستفيد المشاريع المصنّفة استراتيجية من تصاريح سريعة، ويجب ألا تتجاوز مدة منح التصاريح 27 شهراً لمشاريع الاستخراج و15 شهراً لمشاريع المعالجة والتدوير. ووعد سيجورنيه بتوفير ما يصل إلى ملياري يورو من التمويل في شكل قروض وضمانات ومنح. وفي المجموع، تلقت المفوضية الأوروبية 170 طلبا لمشاريع، يقع 49 منها خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك في غرينلاند وأوكرانيا. وسيكون بوسع المشاريع الواقعة خارج الاتحاد أيضا المطالبة بوضع المشروع الاستراتيجي الأوروبي، وستُعلن المشاريع المختارة في دول خارج الاتحاد "في الأسابيع المقبلة". ويضع القانون الأوروبي قائمة تضم 17 مادة خام استراتيجية مثل الكوبالت والنيكل والألمنيوم، محددا أهدافا كمية لها. ولكل منها، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون قادراً على تلبية ما لا يقل عن 10 % من حاجات الاستخراج، و40 % من حاجات المعالجة، و25 % من حاجات إعادة التدوير داخل أراضيه بحلول العام 2030. ولا ينبغي أن يعتمد الاتحاد الأوروبي على دولة أخرى واحدة لتلبية أكثر من 65 % من حاجاته من أي من هذه المواد، بحسب القانون الاوروبي.
▪︎ مشكلات اقتصادية
وبحسب دراسة أجرتها وكالة المواد الخام الألمانية "ديرا" وأعلنت نتائجها الاسبوع الماضي في برلين، فإن السبب الرئيس في ذلك يرجع إلى انخفاض أسعار المعادن النادرة في السوق العالمية حاليا. وقال، هارالد إلسنر، معد الدراسة: إن "جميع الشركات التي تقوم حاليا بتعدين أو معالجة المعادن النادرة تعاني من مشكلات اقتصادية، بما في ذلك شركات في الصين"، موضحا أن هذا يجعل من الصعب التنقيب عن مخزونات جديدة في بلدان أخرى، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه غالبا ما تكون البنية التحتية اللازمة لاستخراج ومعالجة المواد غير متوفرة خارج الصين. ويتوقع إلسنر أن الطلب على المعادن النادرة، التي تستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية وطواحين الهواء، سيزداد بشكل كبير في المستقبل، مشيرا في المقابل إلى أنه "لا يزال هناك القليل من الأدلة على ذلك في السوق"، موضحا أن مشاريع التنقيب الجديدة خارج الصين سوف تواجه لذلك صعوبات من حيث الجدوى الاقتصادية، وبحسب وكالة أسوشيتد برس. وينتقد الخبراء هذا الأمر بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بما يسمى بالمعادن النادرة الثقيلة، والتي تستخدم ليس فقط في تصنيع السيارات، بل أيضا في صناعة الأسلحة الأميركية. ولا تزال هذه المعادن تأتي بنسبة 100 بالمئة من الصين، حيث يُجرى استخراجها أو على الأقل تكريرها.

▪︎ اهتمام ترامب بغرينلاند
ووفقا للخبراء، قد يكون هذا أحد أسباب اهتمام الرئيس الامريكي دونالد ترامب بغرينلاند، التي تمتلك أكبر مخزونات من المعادن النادرة الثقيلة في العالم، لكن لم يتم التنقيب عنها حتى الآن. وتوقف مشروع المعادن النادرة المدعوم من الصين في غرينلاند بعد أن حظرت حكومة الأخيرة تعدين اليورانيوم في عام 2021. وتضع الدراسة الالمانية آمالا أكبر على تعدين المعادن النادرة في أستراليا، حيث أعلنت عدة شركات عن نيتها استخراج معادن نادرة ثقيلة من الخامات الأسترالية، إما مباشرة في أستراليا وإما في ماليزيا أو الولايات المتحدة. ورغم أن كميات صغيرة فقط هي المسموح لها بدخول السوق العالمية، يرى معد الدراسة أن "هذا من شأنه أن يقلل بشكل كبير من اعتماد العالم الغربي على الصين في الحصول على هذه المواد الخام الخاصة للغاية".
▪︎ سيدة الطاقة النظيفة
وبحسب الدراسة، فإن الصين استحوذت على حوالي 60 % من تعدين المعادن الأرضية النادرة في العالم في عام 2023، ووصلت حصتها من المعالجة الإضافية إلى 93 %. واستوردت ألمانيا ما مجموعه 5200 طن من المعادن الأرضية النادرة في عام 2023، وجاء 71 % منها مباشرة من الصين، وفي ألمانيا يتم استخدام 90 % من المعادن النادرة في المحفزات المستخدمة في تنقية غازات العوادم في السيارات والمصانع الكيميائية ومصافي التكرير.
وتواصل الصين فرض نفسها كلاعب رئيسي في مشهد الطاقة العالمي، ليس فقط في قطاعي النفط والغاز، بل أيضاً في مجال الطاقة النظيفة، حيث باتت تتحكم في مفاصل التصنيع وسلاسل الإمداد.
فمع المتوقع أن يصل استهلاكها من النفط إلى 16 مليون برميل يومياً هذا العام، قبل أن ينخفض إلى أقل من 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2060، لا يعني ذلك تراجع نفوذها، بل على العكس، يؤكد انتقالها إلى موقع أكثر تأثيراً في مستقبل الطاقة.
وأنفقت الصين وحدها نحو 940 مليار دولار على مشروعات الطاقة النظيفة، وهو رقم يعادل إجمالي استثمارات الولايات المتحدة وكندا وأوروبا والهند مجتمعة. وهذا التوجه يترجم نفسه على أرض الواقع من خلال الطفرة الهائلة في مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية داخل البلاد، حيث تمتلك الصين ما يعادل ضعف إجمالي عدد المشاريع في بقية دول العالم مجتمعة.
▪︎ انتاج السيارات الكهربائية
كما تهيمن الصين، على إنتاج السيارات الكهربائية، حيث تصنع 58 % من إجمالي الإنتاج العالمي، وتملك أيضاً مفاتيح التحكم في المعادن الأساسية التي تدخل في صناعة بطاريات هذه السيارات، حيث تستحوذ على 60 % من سوق المعادن الضرورية، مما يمنحها سيطرة على أحد أهم مكونات التحول نحو الطاقة المستدامة. ويؤكد محلل أسواق النفط والطاقة لدى شركة Argus""، بشار الحلبي، خلال حديثه لبرنامج بزنس على سكاي نيوز عربية، أن "الصين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت قوة اقتصادية وجيوسياسية قادرة على فرض شروطها"، مشيراً إلى أن هذه الهيمنة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج استثمارات استراتيجية ضخمة خلال العقدين الماضيين. وبعيداً عن السيارات الكهربائية، تسيطر الصين على أكثر من 80 % من عمليات تصنيع ألواح الطاقة الشمسية في العالم، وهو ما يعزز من موقعها كمزود أساسي لمصادر الطاقة المتجددة، بينما تكافح الدول الغربية للحاق بها في هذا المضمار. وفي هذا السياق، يرى الحلبي أن "اللاعبين التقليديين في قطاع الطاقة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، يواجهون صعوبة في مواكبة سرعة الصين في التحول نحو الطاقة النظيفة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والاعتبارات السياسية الداخلية التي تعيق تسريع هذه العملية".

▪︎ الغرب في مأزق
رغم أن الولايات المتحدة لا تزال أكبر مستهلك للطاقة عالمياً، إلا أن دورها كمتحكم رئيسي في أسواق النفط والغاز بات مهدداً بسبب تزايد النفوذ الصيني. ويوضح الحلبي أن "أوروبا والولايات المتحدة كانتا تتجهان نحو التحول إلى الطاقة النظيفة بشكل متسارع، لكن ارتفاع الأسعار والتحديات الاقتصادية أدت إلى تباطؤ هذا المسار".
في المقابل، فإن الصين لا تواجه العقبات ذاتها، بل تسير بخطى ثابتة نحو فرض سيطرتها على مستقبل الطاقة، مستفيدة من استثماراتها الضخمة وتوسعها في الأسواق العالمية، كما يتجلى ذلك بوضوح في ارتفاع صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى الأسواق الغربية، رغم القيود التي تحاول بعض الدول فرضها على الواردات الصينية لمواجهة هذا التمدد. ومع بروز الصين كقوة مهيمنة في مجال الطاقة المتجددة، يثار التساؤل حول ما إذا كان العالم على مشارف نظام طاقوي جديد تتحكم فيه بكين. فبينما كانت الدول الغربية تتعامل مع الصين باعتبارها "مصنع العالم"، فإن الأخيرة استغلت هذا الدور لتعزيز موقعها ليس فقط كمزود، بل كمتحكم رئيسي في التكنولوجيا والموارد المستقبلية.
ويؤكد الحلبي أن "الصين اليوم ليست مجرد لاعب في سوق الطاقة، بل هي في طريقها إلى أن تصبح القوة المسيطرة"، محذراً من أن "تحكمها في سلاسل التوريد قد يمنحها نفوذاً جيوسياسياً هائلاً قد تستخدمه لتحقيق مكاسب استراتيجية". من الواضح أن معادلة الطاقة العالمية آخذة في التغير، مع صعود الصين كمحرك رئيسي لهذا التحول، ففي حين تسعى الدول الغربية إلى مواصلة لعب دورها التقليدي، إلا أن بكين تمضي قدماً في إعادة رسم خريطة الطاقة وفق مصالحها، مدعومة باستثمارات ضخمة، وهيمنة على سلاسل التوريد، وقدرة على التأثير في الأسواق العالمية. والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الصين ستصبح القوة الأولى في قطاع الطاقة، بل متى ستصل إلى هذه النقطة؟ والأهم، كيف ستتعامل بقية الدول مع هذا الواقع الجديد.
اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م