
صندوق النقد الدولي يحذر... لا أحد سيأتي لإنقاذ الاقتصاد العالمي!!

مراصد
3/5/2025، 11:39:58 ص
أرسلت مديرة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا" رسالة صادمة إلى الزعماء الماليين الأسبوع الماضي، مؤكدة على اهمية ان يوقعوا "تخفيضات ملحوظة" في النمو الاقتصادي المتوقع، وبالنسبة لبعض البلدان، ارتفاع في التضخم.
وناقش خبراء في المجلس الاطلسي الامريكي هذه التوقعات التي طرحت خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث يجتمع محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية وقادة اقتصاديون آخرون، ويتفق الخبراء على ان هناك من "يُدقّ ناقوس الخطر بشأن مسار الاقتصاد العالمي، ويناقشون خططهم لحماية بلدانهم من تداعيات انخفاض النمو وارتفاع التضخم، المتوقع أن تنجم عن الرسوم الكمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب". في ظل مناخ اقتصادي يسوده عدم يقين كبير، تنافست الفعاليات الثقافية مع حلقات نقاش حول قضايا اقتصادية رئيسية، بمشاركة وزراء حكوميين، ومسؤولين ماليين، وحائزين على جوائز نوبل، على مر السنين، اكتسب هذا الحدث لقب "دافوس على نهر بوتوماك" في واشنطن.

▪︎ ثلاثة اسئلة
مع غموض آفاق النمو العالمي بسبب الرسوم الكمركية، تتجه الأنظار إلى تقرير آفاق الاقتصاد العالمي (WEO) الصادر عن صندوق النقد الدولي 2025، في الكلمة الافتتاحية، قالت "كريستالينا جورجيفا" مديرة الصندوق، إن توقعات النمو في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي "تتضمن تخفيضات ملحوظة، لكنها لن تشمل الركود"، إلى جانب زيادات في توقعات التضخم "لبعض الدول" وعدت حالات الركود العالمي نادرة نسبيًا؛ فقد حدث آخرها في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. ولكن هناك مجال واسع لتوقع تباطؤ النمو، مما قد يؤدي إلى ركود بعض الدول - بما في ذلك بعض أكبر اقتصادات العالم. واشارت في كلمتها التي اطلعت عليها "مراصد" انها قد اكدت منذ ستة أشهر، على "انخفاض النمو وارتفاع الدين". ولكنها تحدثت أيضا عن "القدرة على الصمود" في البلدان التي تفلت من "براثن الصدمات الكبيرة "بفضل قوة الأساسيات ومرونة السياسات". وطرحت مديرة صندوق النقد الدولي في كلمتها ثلاثة أسئلة رئيسية، "ما السياق؟ وما تداعياته؟ والأهم من ذلك، ما الذي يمكن للبلدان أن تفعله؟" وعن السياق، وصفت التوترات التجارية الدولية بكونها، "مثل قِدر طال غليانه، وقد بلغ اليوم نقطة الفوران، وما نراه اليوم هو إلى حد كبير، نتيجة تآكل الثقة - الثقة في النظام الدولي، والثقة بين البلدان". اما تداعيات هذه التوترات، فقالت "الإجابة القصيرة هي أن التداعيات هائلة"، واوضحت، "عدم اليقين أمر مكلف، فتعقيد سلاسل الإمداد الحديثة يعني أن المدخلات المستوردة تدخل في صناعة مجموعة كبيرة من المنتجات المحلية. ويمكن أن تتأثر تكلفة بند واحد بالتعريفات الجمركية في عشرات البلدان". اما ما يمكن فعله ؟؟، فترى ان على البلدان، "مضاعفة الجهود لترتيب أوضاعها الداخلية، ففي عالم يشهد ارتفاعا في عدم اليقين وصدمات متكررة، لا مجال للتأخر في الإصلاحات الرامية إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي وتحسين إمكانية النمو". مؤكدة على ان زيادة الحواجز التجارية تلحق أضرارا مباشرة بالنمو الاقتصادي، فيما تؤدي الحماية التجارية إلى تآكل الإنتاجية على المدى الطويل، ولا سيما في الاقتصادات الأصغر، وشددت بالقول "وفي نهاية المطاف، التجارة تشبه المياه، فحين تضع البلدان معوقات في صورة حواجز كمركية وغير كمركية، ينحرف التيار عن مجراه، وقد تجد بعض القطاعات في بعض البلدان نفسها وقد غمرتها الواردات الرخيصة، وربما تشهد قطاعات أخرى نقصا في الواردات، وتستمر التجارة، ولكن الاضطرابات مكلفة".

▪︎ لا أحد يأتي لإنقاذ الاقتصاد العالمي
في تعليقه على كلمة مديرة صندوق النقد الدولي يجد "جوش ليبسكي" رئيس قسم الاقتصاد الدولي والمدير الأول لمركز "جيو إيكونوميكس" ومستشار سابق لصندوق النقد الدولي ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد شن حربًا اقتصادية عالمية دون أي حلفاء. ولذلك، وعلى عكس الأزمات الاقتصادية السابقة في هذا القرن، لن يأتي أحد لإنقاذ الاقتصاد العالمي إذا بدأ الوضع بالتدهور. ويعد "ليبسكي" في تعليقه المنشور على موقع المجلس الاطلسي، ان هناك نموذجا للتعامل مع الأزمات الاقتصادية والمالية التي شهدناها خلال العقدين الماضيين، ويتطلب تفعيل مجموعة العشرين والاعتماد على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لتوفير السيولة للنظام المالي المثقل، ولن يكون أيٌّ من الخيارين متاحًا في ظل التحدي الحالي. ويحدد الباحث ذلك في نقطتين، أولاً، أُنشئت مجموعة العشرين من قِبل الولايات المتحدة وكندا في أواخر تسعينيات القرن الماضي لإشراك القوى الاقتصادية الصاعدة، مثل الصين، في عملية صنع القرار ومنع موجة أخرى من أزمات الديون مثل أزمة البيزو المكسيكي عام ١٩٩٤ والأزمة المالية الآسيوية عام 1997، في عام 2008، مع انهيار بنك ليمان براذرز (كان إفلاس البنك في ذروة أزمة الرهن العقاري) بعد إخطار شركة الخدمات المالية بتخفيض التصنيف الائتماني وبدء حالة الذعر في الأسواق المالية حول العالم، دعا الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش إلى عقد قمة طارئة لقادة مجموعة العشرين، وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها رؤساء دول وحكومات أكبر اقتصادات العالم.
تلا ذلك أحد أعظم نجاحات التنسيق الاقتصادي الدولي في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يُسمى بـ" لحظة لندن"، عندما وافقت مجموعة العشرين على ضخ خمس تريليونات دولار لتحقيق استقرار الاقتصاد العالمي، بهذا التنسيق المشترك، أرسل القادة إشارة قوية إلى بقية العالم بأنهم لن يسمحوا للركود الاقتصادي أن يتحول إلى كساد عالمي.

ويلاحظ الباحث في النقطة الثانية انه "وبعد مرور ما يقرب من اثني عشر عامًا، ومع اندلاع جائحة كوفيد-19، اجتمعت نفس المجموعة من القادة للعمل على تخفيف الديون، والتحفيز المالي، والأهم من ذلك، توفير الوصول إلى اللقاحات". مشددا بالقول "نواجه الآن الصدمة الاقتصادية الكبرى الثالثة في القرن الحادي والعشرين، لكن هذه الصدمة من صنع الإنسان بالكامل، نتيجة قرار سياسي محدد، ويمكن بالطبع التغلب عليها بالتراجع عن قرار رفع معدلات الرسوم الكمركية الأمريكية إلى أعلى مستوى لها منذ مئة عام، ولكن كما ذكرتُ منذ تشرين الثاني الماضي، فإن دونالد ترامب جادٌّ بشأن الرسوم الكمركية، فهي ليست مجرد أداة تفاوض، وهذا يعني أن العديد منها سيبقى على الأرجح". وينتهي الى الاستنتاج "لن تكون هناك "لحظة لندن" هذه المرة، لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعو إلى ردٍّ منسق على حرب تجارية أشعلتها هي، حربٌ مبنية على فكرة أن بقية العالم يستغل الولايات المتحدة" !!.
▪︎ تدابير وحلول
بدورة يجد هونغ تران، زميل أول غير مقيم في مركز الجغرافيا الاقتصادية للمجلس الاطلسي، أن الحرب التجارية تشكل صدارة اهتمامات المندوبين في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ربيع عام 2025، هناك أيضا مخاوف بشأن السياسة الأميركية تجاه مؤسستي بريتون وودز، فإن نظام التجارة المفتوح - والذي عزز النمو الاقتصادي العالمي الإجمالي لكنه فشل في توزيع ثمار التجارة الحرة بشكل عادل - آخذ في الانهيار. ولن تكفي الدعوات المعتادة للدول الأعضاء لخفض التعريفات الكمركية والتراجع عن التدابير الحمائية الأخرى لوقفه. وقال في تعليق نشره موقع المجلس الاطلسي، "لم يتضح بعد ما ستكون عليه هذه السياسة، سوف تعتمد استنتاجات المراجعة على الولايات المتحدة في المنظمات متعددة الأطراف، والمقرر صدور نتائجها في آب المقبل، من خلال مناقشاتي مع المشاركين في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هذا الأسبوع، لمستُ قلقًا بشأن عدد من المواقف السياسية الأمريكية المحتملة، بدءًا من الإصرار على تركيز المؤسستين بشكل صارم على مهامهما الأساسية - مما يعكس ما يُنظر إليه على أنه توسع في نطاق المهام مستمر منذ فترة - ، وصولًا إلى انسحاب الولايات المتحدة من إحدى المؤسستين أو كلتيهما". موضحا، "بما أن الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مساهم في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فلا يمكن لهاتين المؤسستين العمل بفعالية إلا بمشاركة الولايات المتحدة البناءة وقيادتها، لذا، تكتسب اجتماعات الربيع لهذا العام أهمية جوهرية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي". ونصح ان يتضمن جدول الأعمال العام، مناقشة المخاوف التي أثارتها الإدارة الأمريكية وإيجاد سبل معالجتها مع الحد الأدنى من التداعيات السلبية على بقية العالم، على سبيل المثال، كجزء من هذا التقدم، يمكن لصندوق النقد الدولي أن يركز بشكل أكبر على توصياته للدول التي تعاني من فوائض مستمرة في الحساب الجاري لإجراء التعديلات، بما في ذلك تعزيز عملاتها، لتعزيز العلاقات التجارية الأكثر توازنا مع مرور الوقت، بدلا من وضع عبء التعديل على عاتق الدول التي تعاني من العجز فقط.

▪︎ تقرير الافاق المالية 2025
وكان صندوق النقد الدولي قد نبه الى انه لا تزال المخاطر الجغرافية - السياسية العالمية مرتفعة، مما يزيد المخاوف بشأن أثرها المحتمل على الاستقرار الاقتصادي والمالي. وقال في تقريره السنوي "يمكن لصدمات مثل الحروب، أو التوترات الدبلوماسية، أو الإرهاب أن تؤدي إلى اضطراب حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود. ويمكن لهذا الأمر أن يلحق ضررا بأسعار الأصول، ويؤثر على المؤسسات المالية، ويقلص حجم الإقراض للقطاع الخاص، مما يؤثر على النشاط الاقتصادي ويهدد الاستقرار المالي".
منوها الى انه يصعب على المستثمرين تسعير هذه المخاطر بسبب طبيعتها المتفردة، وندرة تواترها، وعدم اليقين بشأن مدتها ونطاقها. ويمكن أن يؤدي هذا إلى ردود أفعال حادة على مستوى الأسواق حين تتحقق هذه الصدمات الجغرافية - السياسية.
واوضح التقرير في احد فصوله "غالبا ما تشهد أسعار الأسهم انخفاضا كبيرا خلال الأحداث الكبرى التي تنطوي على مخاطر جغرافية - سياسية، قياسا بالتحقيقات الإخبارية الأكثر تواترا التي تورد التطورات الجغرافية - السياسية المعاكسة والمخاطر المرتبطة بها. ويبلغ متوسط الانخفاض الشهري حوالي نقطة مئوية واحدة على مستوى البلدان، على الرغم من أنه أكبر بكثير في اقتصادات الأسواق الصاعدة حيث يبلغ 2,5 نقطة مئوية". فيما ناقشت الفصول التحليلية في هذا التقرير صعود الاقتصاد الفضي في الانعكاسات العالمية لشيخوخة السكان، منبها انه مع تقدم سكان العالم في العمر، تشهد الاقتصادات في مختلف أرجائه تحولات ديمغرافية هائلة وما لها من انعكاسات عميقة. ويركز على مدى صحة الشيخوخة وتأثيرها على أسواق العمل، والانعكاسات الاقتصادية الأوسع نطاقا للتغيرات الديمغرافية، ودور السياسات الموجهة في تخفيف حدة الآثار المعاكسة للشيخوخة. ويتبين من التحليل أن بينما هناك تحديات تفرضها شيخوخة السكان مثل تباطؤ النمو وزيادة الضغوط على المالية العامة، فاتجاهات الشيخوخة المتمتعة بصحة أفضل تبعث على الأمل إذ تعزز المشاركة في سوق العمل، وتطيل عمر العمل، وتعزز الإنتاجية. ويؤكد هذا الفصل أهمية السياسات التي تدعم الشيخوخة الصحية، وتزيد المشاركة في سوق العمل بين الأشخاص المتقدمين في العمر، وتسد الفجوة بين الجنسين في القوى العاملة. وبالاستفادة من هذه الاستراتيجيات، تستطيع البلدان أن تجني ثمار الإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الفضي لدفع النمو وإعادة بناء هوامش الأمان المالي وسط التيارات الديمغرافية المعاكسة. اما الفصل الثالث فقد تناول “تداعيات سياسات الهجرة واللجوء" حيث أصبحت حركة المهاجرين واللاجئين من الموضوعات الثابتة التي يتناولها النقاش العام، فيبحث هذا الفصل كيف يمكن للتغيرات في درجة تشدد سياسات الهجرة واللجوء أن تبدل اتجاهات الرحلات والمسارات القانونية التي يختار الناس اتخاذها داخل الاقتصادات وفيما بينها.
على سبيل المثال، تشديد السياسات يمكن أن يغير اتجاهات تدفقات المهاجرين نحو وجهات جديدة. ويمكن أن تواجه تلك الاقتصادات تحديات على المدى القصير من الضغوط على الخدمات المحلية وإن كانت ستجني ثمارها في نهاية المطاف على المدى الأطول. ومن المرجح أن تكون التكاليف أشد حدة حيث تكون التحديات أكبر أمام إدماج القادمين الجدد – ولا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية – وحيث لا تتوافق مهاراتهم على نحو مناسب مع متطلبات سوق العمل المحلية.
وهناك إمكانية لتحقيق المنافع بوتيرة أسرع من خلال تعزيز الاستثمار في البنية التحتية وتشجيع تنمية القطاع الخاص. ويمكن للتعاون الدولي كذلك المساعدة من خلال زيادة المساواة في توزيع التكاليف قصيرة المدى عبر الاقتصادات المختلفة.








