
حافة الهاوية

دعد ديب
28/6/2025، 11:41:43 ص
في ظل الأزمات المتصاعدة التي تواجهها مناطق واسعة من العالم وكوارث الحروب والأوبئة التي تحدق بها يبرز السؤال الذي يطرح نفسه وماذا بعد؟! كيف السبيل لوقف هذا التدهور وكيف نحول دون الإقتراب من حافة الهاوية التي باتت تلوح لنا أكثر من ذي قبل، وهل بإمكاننا ذلك؟...
المفكر إدغار موران دعا لصرخة تحذيرية بكتابه "هل نسير إلى الهاوية" حاول فيه تحليل مستقبل البشرية من خلال انتقاده للأذرع الرباعية المحركة للعالم والتي تتمحور حول العلم والتقنية والصناعة والاقتصاد فعندما يعجز نظام ما عن حل مشكلاته المتفاقمة فإن ذلك ينذر ببداية تفككه وانحلاله، وكل نظام يحمل بذور انهياره في ذاته، وربما هذ الانهيار يحمله لواقع جديد لا نستطيع الثقة بمآلاته. فالتطور الصناعي والعلمي الساحق أفرز آثارا بيئة واجتماعية لها انعكاس سلبي على المجتمعات مثل انبعاث الغازات والتلوث البيئي نتيجة الاستخدام الجائر للثروات الطبيعية في ظل الاقتتال على مواردها وارتفاع حرارة الأرض وانقراض أنواع كثيرة من النباتات وفي الناحية الاجتماعية ارتفاع معدلات الفقر وتفشي الجريمة وانتشار المخدرات ومشكلة الاكتظاظ السكاني في شريط الصفيح الذي يحيط المدن. كذلك التطور التقني والعلمي المتسارع كاختراع المطبعة واكتشاف أمريكا واكتشاف كوبرنيك أن الأرض ليست مركز العالم تمامًا وعلى اعتبار أن العقل يقود الإنسان للتقدم والتقدم هو القانون المحتم للبشرية وفق ما جاءت به مرحلة الأيدولوجيات الكبرى فذهب البعض إلى القول أن العالم يحكمه ثلاث حكايات، أسطورة التحكم في الكون وأسطورة التقدم والحتمية التاريخية وأسطورة السعادة، وكيف تهاوت هذه الأساطير واحدة إثر الأخرى بدءا من انهيار الاتحاد السوفيتي وتفاقم مشاكل الحروب والبيئة الملوثة بعوادم الصناعة والأوبئة المصنعة وآثارها السلبية على الإنسان و صعود الأفكار الفردانية التي أدت لمشاكل العزلة والاكتئاب نتيجة تجاهل مسألة التكافل الاجتماعي بين طبقات المجتمع مما أدى لزيادة مشكلات الفرد المادية والنفسية نتيجة الفراغ الروحي الكبير بعد جفاف التفكير المنمط والمرتجل والمتقنع بقشور الحضارة الاستهلاكية الأمر الذي رده مجددَا إلى عوالم الغيبيات والميتافيزيقيا والذي لاقى صدى كبيرا في دعوات البوذية واليوغا والتأمل، فبعد رفض المنظومة الدينية أسلوباً للتفكير وإحلال التفكير العلمي وسيطرة مرحلة الأيدولوجيات وكأن هذه الايدلوجية أمست ديناً جديدا ما لبث أن تداعت أركانه وتضعضع بنيانه وبدأت الأصوات تنادي بفكرة العودة إلى الطبيعة وفكرة العود الأبدي التي نادى بها نيتشه وبرز تحدي العولمة في فهم الاقتصاد من خلال الجمع بين النظرة الشمولية وبين الأسلوب التجريدي، حيث التجريد يفصل الموضوع عن أسبابه ويتغاضى عن روابطه وتعلقاته، فالاقتصاد الذي يطرح بصفته العلم الأكثر تطوراً بشكل تجريدي يكون هو العلم الأكثر تخلفاً بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي، لذا أصبح منظروه في حالة تخبط وفوضى في تحليل الاختلالات في البورصة والعملات وتفسير عواقبها فالفكر التقني البيروقراطي يعجز عن تفسير الشمولي والأساسي وعن الربط بين المشاكل العالقة وتعقد المشكلات الإنسانية الناجمة عنه. فالتطور العلمي غير المنضبط وتدهور البيئة والوضع الصحي والاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية مع غياب التعاضد الإنساني جعل مفهوم الأخلاق ضبابيا وغائما وكلها عوامل تنذر بالخطر والترقب الحذر لما وراء هذا التدهور، فقد أصبحت عناوين التقدم في السعادة والتحكم في العالم عبارة عن أوهام لا يمكن الوثوق بها وبرزت الضرورة الكبرى لتغيير نمط التفكير وأنماط السلوك تبعاً لذلك، والدعوة إلى تجاوز الأيديولوجيات الاقتصادية التي تُعطي السوق العالمية دورا في تنظيم المجتمع، مؤكدا أن المجتمع العالمي يجب أن ينظم السوق بدلاً من العكس. برزت العولمة عقب ثورة الاتصالات المتسارعة فقد بات العالم أشبه بقرية صغيرة وصارت الحاجة ماسة لتوسيع أسواق السلع والبحث عن مصادر جديدة للمواد الأولية مما أدى إلى ضرورة نقل التكنولوجيا والمنتجات الرقمية إلى الدول الأخرى أو ما اصطلح على تسميته بالعالم الثالث كي تستطيع مواكبة عجلة الإنتاج العالمية حتى لو كانت برغي صغير في آلياتها. وان استفدنا من العولمة في مجال الثقافة إذ صارت بمتناول الجميع فطبيعي أن نقرأ سلمان رشدي وأوكتافيو باث وماركيز وبول أوستر ومع ذلك وبالطبع نستطيع تمييز أن الميل في العولمة لصالح تسليع كل شيء، وهنا تبرز أهمية الأخلاق ولكنه أيضا مفهوم متبدل من صيغ مفهوم الأخلاق وما هو أخلاقي أو خلافه، إذ بتنا نلاحظ أن العلم يطرح قضيتين التطور العلمي يقابله الانحدار الأخلاقي لأن العولمة جاءت نتاج هذا الماضي وخاصة لناحية قرب العوالم الأرضية من بعضها وبالتالي تصدير الأزمات إليها وعولمة الإجرام والمافيات وتجارة المخدرات انتشار المافيات العابرة للقارات وليس آخرها تجارة السلاح بالمقابل العولمة تزيد من تفوق الغرب وهيمنته بالمقابل تظهر قوى جديدة على الساحة كالصين وماليزيا ودول شرق آسيا في سعي منها لعالم متعدد الأقطاب في ظل صراعات الهيمنة ونتيجة انهيار الأهداف التحررية للتوجهات الفكرية مما زاد في مشاكل الفرد وانعكست على شكل ارتداد للهويات الدينية والأثنية ومزيداً من تفكك المجتمعات وانقسامها وإن كانت الدولة القطرية ضرورية من أجل التنوع والأثراء الثقافي لكنها تشكل عائقا أمام الوحدة والاندماج في مجموع الكيانات المتحدة. يقاس معيار التنمية بشكل عام بمعايير الدخل القومي ومؤشرات النمو وكلها مدلولات تبغي التقدم المادي ومعدلات الربح وحتى لو كان مقابله الكوارث وخاصة عند إهمال القيم الخيرة المجانية. الرأسمالية والبيروقراطية التقنية وحش تتقنع بالانتشار الجامح للتطور العلمي التقني فقد كانت الرأسمالية تلقي بحوالي نصف إنتاج دول أمريكا من الكاكو في البحر كي تحافظ على سعره المرتفع غير آبهة بالمجموع البشري الذي يشكل وحدة اجتماعية تتلقى النتائج السلبية لسوء توزيع الثروة وهذه الحمى المستعرة لتحقيق الربح تكنس وتزيح في طريقها الكنوز الثقافية والمعارف بالحضارات القديمة، فالمهمة الأساسية للإنسانية إعادة خلق التضامن بين الكتلة البشرية على الأرض، لذا فالأمم المتحدة والجهات الوصائية والضمير العالمي مطالبين بإنشاء مكاتب لهذه الأزمات على غرار مكتب يقدم الأدوية بالمجان للأمراض المستعصية ومكتب عالمي للتغذية لإنشاء حلف ضد الجوع ومكتب للمساعدة للدول التي تبتلى بكوارث مثل الفيضانات والأعاصير والبراكين، مكاتب حقيقية في أهدافها وليس واجهة لمآرب أخرى كما درجت عليه العادة، فدائما تعالج الرأسمالية مشكلاتها الاقتصادية بخلق مشاكل إضافية كالحروب والمجاعات والأوبئة فهي خزان تصريف للازمات وخزان لآلام وموت للشعوب أيضاً وبما أن القوة هي التي تصنع الخطط والقرارات المصيرية وتعيد صياغة العالم وفق مصالحها فأي أمل للإنسان الفرد الأعزل الضعيف والمهمش في عالم اليوم؟!








